
غياب الأخضر في صيف المغرب الحار يكشف أزمة تخطيط حضري
مع كل موجة حر تضرب المدن المغربية، يتكرس واقع بيئي قاسٍ يعانيه سكان الحواضر الكبرى: ندرة الفضاءات الخضراء. هذه الفجوة لا تؤثر فقط في جودة الحياة، بل باتت تشكّل تهديدًا مباشرًا للصحة النفسية والجسدية للمواطنين، خصوصًا خلال فصول الصيف الحارة التي تشهد ارتفاعًا غير مسبوق في درجات الحرارة.
الباحثون في المناخ والتنمية المستدامة يؤكدون أن غياب المساحات الطبيعية في المدن لم يعد مجرد خلل بيئي، بل يكشف عن أزمة تخطيط حضري طويلة الأمد، أهملت الجانب البيئي في مقابل التركيز على التوسع العمراني وتوفير السكن.
رشيد فاسح، الباحث في التنمية المستدامة، يرى أن مشكلة المساحات الخضراء في المغرب ليست فقط بيئية، بل أيضًا اجتماعية واقتصادية، خصوصًا في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، حيث تكاد تنعدم أماكن الراحة أو المتنفسات التي تقلل من حدة موجات الحر.
ويضيف فاسح أن المعايير الدولية توصي بتوفير 10 أمتار مربعة من المساحات الخضراء لكل فرد، بل إن بعض الدول تتجاوز هذا الرقم بكثير، فيما يبقى المغرب بعيدًا عن هذه النسب. ويُرجع ذلك إلى تركيز البلديات على التوسع العمراني دون إيلاء الأهمية الكافية للتوازن البيئي داخل المدن.
ويحذر من أن الخصاص في الفضاءات الطبيعية يزيد من حدة التلوث وارتفاع درجات الحرارة داخل المدن، ويُسرع من وتيرة الاحترار المحلي نتيجة غياب الغطاء النباتي الضروري لتلطيف المناخ.
مصطفى بنرامل، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية، يؤكد من جانبه أن نقص الفضاءات الخضراء ناتج عن توسع عمراني غير موجه، وارتفاع الضغط العقاري الذي يدفع نحو تحويل الأراضي المتبقية إلى مشاريع إسمنتية.
شير إلى أن ضعف الميزانيات المخصصة من قبل الجماعات المحلية، إلى جانب الإهمال الذي تتعرض له المساحات الموجودة حاليًا، يجعلها غير جاذبة وغير مؤهلة للعب دورها كأماكن للراحة والاستجمام.
الحلول – بحسب المتخصصين – ممكنة، لكنها تتطلب إرادة سياسية واضحة وتخطيطًا بيئيًا مندمجًا في السياسات الحضرية. ويقترح الخبراء إدماج المساحات الخضراء ضمن تصاميم المدن، وتشجيع المبادرات المدنية مثل حملات التشجير وحدائق الأحياء، إلى جانب تخصيص استثمارات مناسبة لصيانة الحدائق العمومية وإعادة إحياء الفضاءات المهملة.
كما يشددون على أهمية تعزيز الوعي البيئي في المدارس، وتربية الأجيال القادمة على أهمية البيئة الحضرية كجزء من جودة الحياة وليس مجرد “ترف حضري”.
تكشف حرارة الصيف عن هشاشة البنية البيئية في مدن المغرب، وتفرض أسئلة ملحّة حول دور التخطيط الحضري في مواجهة تغير المناخ. فبينما ترتفع الحرارة، يُحرم المواطن من أبسط حقوقه في فضاء طبيعي يقيه من لهيب الشمس، في وقت أصبح فيه الشجر والمساحات الخضراء عنصرًا حاسمًا في الصحة العامة، وليست مجرد عنصر تجميلي.