صناع الخبز في مواجهة أزمة الغلاء: هل ينجحون في الحفاظ على لقمة المغاربة؟

0

على الرغم من الاستقرار النسبي الذي تشهده أسعار بعض المواد الغذائية، يبقى الخبز مادة أساسية في المائدة المغربية مهددة بارتفاع محتمل في أسعارها. تقارير ميدانية تشير إلى أن هذه المادة الحيوية معرضة لزيادة مفاجئة في السعر، نتيجة لتقلبات السوق وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج. تواجه المخابز التقليدية والصغيرة، التي تمثل الغالبية العظمى من مزودي الخبز، ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الغاز والدقيق، مما يدفعها أحيانًا إلى رفع الأسعار بشكل غير مباشر عبر تقليص حجم الرغيف أو خفض جودته للحفاظ على هامش ربحها.

تتزايد المخاوف من أن أي زيادة في سعر الخبز قد تؤدي إلى إشعال غضب شعبي، خاصة بين الفئات الضعيفة التي تعتمد عليه بشكل كبير في غذائها اليومي. ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن الخبز ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل يعد مؤشراً حساساً للاستقرار الاجتماعي، ما يستوجب تدخلًا حكوميًا استباقيًا لضمان استمرارية التزويد، مع تعزيز الرقابة على سلسلة الإنتاج والتوزيع لتفادي أي اضطراب قد ينعكس سلبًا على التوازنات الاجتماعية.

تعكس هذه التحديات ما أظهرته تقارير المندوبية السامية للتخطيط، التي سجلت تراجعًا طفيفًا في معدل التضخم العام، إلا أن ذلك لم يشمل المواد الأساسية المدعمة مثل القمح والدقيق. في الوقت الذي انخفضت فيه أسعار بعض الخضروات واللحوم، بقي سعر الخبز ثابتًا، مما يثير تساؤلات حول قدرة الدولة على مواصلة دعم هذه المادة الأساسية في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية وارتفاع التكاليف.

أثر الغلاء على المخابز والمستهلكين

تحدثت الهاشمية، بائعة خبز في سوق شعبي بالرباط، عن ارتفاع طفيف في أسعار الدقيق خلال الأسابيع الماضية، ما انعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الخبز. وأوضحت أن غالبية أصحاب المخابز الصغيرة لم يرفعوا الأسعار حفاظًا على زبائنهم، لكنهم لجأوا إلى تقليص حجم الرغيف أو استخدام طحين أقل جودة. وأضافت أن ارتفاع التكاليف يصاحب ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، ما يجعل الوضع معقدًا للطرفين.

وأشارت إلى أن بعض الزبائن بدأوا يشكون من صغر حجم الرغيف وتغير مذاقه، دون أن يفهموا أن أصحاب المخابز يواجهون صعوبات في تغطية التكاليف. ونبهت إلى أن استمرار هذا الوضع قد يجعل الخبز الجيد متاحًا فقط لمن يملك القدرة على الشراء، بينما سيضطر الفقراء إلى تقبل جودة أدنى أو تقليل استهلاكهم، واصفة الخبز بـ”الرفاهية”.

وأكدت الهاشمية أن عددًا من أصحاب المخابز الصغيرة هددوا بإغلاق محلاتهم إذا استمر الوضع الحالي، مشددة على أن الخبز لم يعد يدر أرباحًا تكفي لتغطية التكاليف، بل أصبح عبئًا في ظل غلاء الإنتاج وغياب الدعم المباشر. وأوضحت أن من يخبز مئة رغيف يوميًا لا يجني سوى مبلغ لا يغطي حتى إيجار المحل والكهرباء، داعية الحكومة للتدخل لحماية هذا القطاع الحيوي.

أزمة في الزراعة الوطنية

من جهته، أكد الحسين، فلاح في منطقة الغرب، أن موسم زراعة القمح كان مخيبًا بسبب قلة الأمطار وارتفاع تكاليف الإنتاج، مما دفع العديد من الفلاحين لتقليص المساحات المزروعة أو التخلي عنها. وأوضح أن الفلاح الصغير لا يستفيد من دعم مباشر أو تأمين فلاحي، ويواجه مخاطر عالية مع ضعف المشترين.

وأشار إلى أن ضعف الإنتاج الوطني سيزيد الاعتماد على الاستيراد، ما يجعل أسعار القمح والطحين مرتبطة بتقلبات السوق العالمية. ودعا إلى ضرورة مراجعة السياسة الفلاحية من خلال دعم الفلاحين الصغار، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، والاستثمار في تقنيات السقي والتخزين لتعزيز الأمن الغذائي وتقليص الفجوة بين العرض والطلب.

وأكد الحسين أن استقرار أسعار الخبز يتطلب مقاربة شاملة تراعي وضعية الفلاح والظروف المناخية الصعبة، بالإضافة إلى كلفة الإنتاج المرتفعة، محذرًا من أن تجاهل هذه العوامل سيؤدي حتمًا إلى زيادة في أسعار المواد الأساسية.

عدوى تضخمية وتأثيرات الاقتصاد الكلي

يرى عبد القادر فاسي الفهري، أستاذ الهندسة الاقتصادية بالجامعة الأورو-متوسطية بفاس، أن فهم واقع أسعار الخبز يتطلب ربط تكلفة الإنتاج بالمعطيات البنيوية للسوق المحلية والعالمية، التي تؤثر على أسعار الحبوب والطحين ومستلزمات التصنيع. وأوضح أن ارتفاعات أسعار الخبز في الأحياء الشعبية تعكس انتقالًا للضغوط التضخمية بين القطاعات، وهي محاولة لإعادة توزيع الأعباء في ظل تراجع هوامش ربح المخابز التقليدية مقارنة بالمنتجين المُمكننين.

وبيّن أن استقرار أسعار القمح في الأسواق الدولية لا يعني بالضرورة ثبات كلفة الإنتاج محليًا، بسبب عوامل مثل تكاليف النقل والطاقة والضغط على سلاسل التوريد، مشيرًا إلى أن دعم الدولة يغطي فقط جزءًا محدودًا من إنتاج الطحين الموجه للاستهلاك، وأن الخبز المباع خارج نظام الدعم يخضع لسوق حر أكثر تقلبًا.

ودعا إلى إعادة هيكلة شاملة لسلسلة القيمة الزراعية والغذائية، عبر تحفيز الاستثمار في أصناف ذات إنتاجية عالية، وتطوير البنية التحتية، وتنظيم العلاقة بين الفلاحين والمطاحن والمخابز ضمن نظم حوكمة قطاعية. وشدد على أهمية بناء منظومة معلومات دقيقة حول تكلفة الإنتاج، لتوجيه الدعم بشكل فعال وتجنب الهدر، ضمن رؤية تربط الغذاء بالعدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.

وختم بالتحذير من اعتبار الخبز مجرد سلعة استهلاكية عادية، مؤكداً أنه مؤشر حساس يكشف عن اختلالات أوسع في منظومة الإنتاج وإعادة توزيع الدخل، مع ضرورة بناء سياسات توازن بين العدالة الاجتماعية والفعالية الاقتصادية واستدامة الموارد.

 

 

 

 

 

.

 

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.