سقوط النظام الشمولي في الجزائر: حتمية التغيير

0

تشير كل المؤشرات إلى حقيقة واضحة: الجزائر مقبلة على تحول سياسي جذري وحراك شعبي سلمي يخرج الملايين من أبناء الشعب الجزائري في مختلف الولايات والمدن من أجل تحقيق تغيير جذري للنظام وإسقاط الدولة البومدينـية الشمولية، وبناء دولة وطنية ديمقراطية شعبية تم اختطافها عبر عقود من قبل ضباط مرتبطين بالماضي وعهد العشرية السوداء. هذا الحراك يأتي بعد كفاح طويل ضد القوى الاستعمارية، بدعم مباشر من المملكة المغربية التي فتحت حدودها ومخازن سلاحها للمجاهدين الجزائريين، وحوّلت مدن وقرى شرق المغرب إلى قواعد خلفية لجيش التحرير الوطني ومقرات آمنة لقياداته.

الحتمية التاريخية تؤكد أن الحراك الشعبي الجزائري سيُتم مهامه الوطنية الكبرى، والمتمثلة في إسقاط النظام الشمولي الحالي، وتأسيس “الجزائر الجديدة” كدولة وطنية ديمقراطية، متصالحة مع محيطها الإقليمي ومندمجة في جهود التنمية والاستقرار مع شعوب المنطقة. هذه الدولة المدنية الديمقراطية الجديدة ستبنيها قوى ثورية إصلاحية، ممثلة في شباب الحراك الشعبي، ومختلف امتداداته السياسية، النقابية، المدنية، وحتى داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، التي بدأت تشهد بوادر تفكك وانهيار نتيجة سيطرة قيادات عسكرية فاشلة على مفاصل الدولة ومؤسساتها السيادية، بواجهة مدنية فاقدة للشرعية السياسية والنضالية، غير قادرة على تقديم حلول تنموية لمشاكل المجتمع سوى إعادة إنتاج السلطوية بإعادة تمكين وجوه من النظام السابق.

مثال على ذلك وزير الخارجية محمد عطاف، الذي لا يزال محاصرًا بتحليلات قديمة منذ كان مديرًا للشؤون السياسية الدولية في وزارة الخارجية عام 1984، وحوّل وزارة الخارجية عام 2024 إلى مجرد ملحقة إدارية تحت سيطرة الجنرال شنقريحة وطموحاته العدائية في إشعال حرب إقليمية شاملة.

بوادر التفكك الداخلي للنظام الجزائري باتت واضحة للجميع، حيث يستخدم النظام سياسات عبثية، محاولًا تحويل انتباه المجتمع نحو مؤامرات خارجية مصطنعة لتبرير الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، التي تفاقمت بسبب سياسات اقتصادية خاطئة وصفقات تسليح وهمية أهدرت مليارات الدولارات من أموال الشعب الجزائري، في أكبر عملية استعداء إقليمي تاريخية، من خلال التضليل الإعلامي ونشر الأكاذيب، في الوقت الذي يمول ويدرب فيه ميليشيات مسلحة لزعزعة استقرار الجوار الإقليمي وتأجيج النزاعات.

نظام شنقريحة العسكري الشمولي يعتمد بشكل مفرط على “استراتيجية صناعة الأزمات” كوسيلة وحيدة للحفاظ على السلطة وتعزيزها، وخلق وحدة وطنية “مؤقتة” عبر تحويل انتباه الشعب عن القضايا الحقيقية اليومية التي تواجهها الدولة في السياسة، الاقتصاد، والاجتماع، مع فشل واضح في تحقيق الوعود تحت شعار “الجزائر المنتصرة”، في مقابل قمع الحراك الشعبي ضمن “صفقة مسمومة” بين النظام النيوباتريمونيالي في قصر المرادية وجزء من الطبقة السياسية والنقابية الفاشلة.

خطاب الرئيس عبد المجيد تبون أمام البرلمان يكشف حالة الضعف والأزمة العميقة التي يعيشها النظام، مع عدم استقراره وسط تغيرات جيوسياسية دولية وإقليمية وفشل متزايد، وسيطرة قوى الفساد على مفاصل الدولة، ما يمهد الطريق لموجة تغيير عنيفة ما لم يتحقق التغيير السلمي المنشود.

التدهور السريع للجيش العربي السوري وسقوط النظام الشمولي هناك، إلى جانب التخلي الروسي المفاجئ عن حلفائه في دمشق وطرابلس، وسيطرة الميليشيات المسلحة، يؤكد للجنرال شنقريحة أن نهايته السياسية والعسكرية قد اقتربت. انهيار النظام العسكري الجزائري هو مسألة وقت، مرتبط بتعقيدات التوازنات الدولية، وأي توافق دولي جديد سيرتكز على إسقاط الأنظمة الشمولية في إفريقيا، التي تمثل استمرار سياساتها العدائية عامل عدم استقرار في القارة والمنطقة.

ملامح تآكل الدولة الجزائرية وانهيار النظام باتت جلية، حيث لم تقدم القيادة الجديدة التي نادى بها المسار السياسي لـ”الجزائر الجديدة” رؤية واضحة لمستقبل الأجيال، بل مجرد حلول ترقيعية لسفينة تغرق في الفساد والاستبداد، مع غياب الشرعية الداخلية وعزلة إقليمية تحولت إلى سياسة هجومية تغذيها أطماع جنرالات الجزائر في الهيمنة الإقليمية، وتهدف إلى تطويق المغرب وفصل جنوبه عبر دويلة عميلة تخدم مصالح غير واقعية.

سقوط الدولة الجزائرية لن يكون نتيجة مؤامرات خارجية كما يروج النظام، بل سيكون نتاج تحالف وطني شعبي واسع يضم مختلف مكونات الحراك والقيادات الوطنية الحقيقية في الجيش، الذي يعاني فقدانًا للعقيدة القتالية الصحيحة ويستعد بعض قياداته لاستخدام القوة المفرطة لقمع الحراك، ما قد يؤدي إلى فصل “عشرية سوداء ثانية”. التيار الدموي داخل الجيش بقيادة شنقريحة يعمل على تطوير ترسانة عسكرية دفاعية وهجومية لحماية النظام من التدخلات الدولية، على غرار أنظمة مثل سوريا وليبيا.

الجيش السوري اعتمد على ميليشيات طائفية لقمع شعبه، ونفس الاستعداد يتحلى به الجيش الجزائري لاستدعاء ميليشيات البوليساريو الإرهابية، التي سبق أن مارست القتل والترهيب في ليبيا، ضد الحراك الشعبي، بأوامر من القيادة العسكرية الجزائرية. الشعب الجزائري يجب أن يدرك أن هذه الميليشيات ستستخدم ضد المتظاهرين والمدن، وأن النظام يستغل أداة البوليساريو لقمع النضال السلمي.

الرئيس تبون، الذي فقد القدرة على التحكم في الجيش والجنرالات، يعيش في هوس سياسي دائم بالمغرب، ودعوته للحوار الوطني ليست سوى غطاء لامتصاص غضب الشعب وتبرير هيمنة الجيش على السلطة.

وفي ختام الأمر، تبقى كلمات المجاهد عبد الحميد مهري حية، حين قال: “الديمقراطية التي تحميها الدبابة هي ديمقراطية مريضة”.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.