
حين تتحول الشهرة الرقمية إلى سلطة.. هل تمنح أرقام المتابعين المؤثر حق محاكمة المجتمع؟
أحدثت مواقع التواصل الاجتماعي تحولاً كبيراً في طريقة صناعة النقاش العام، بعدما أصبح بإمكان أي شخص يمتلك هاتفاً وحساباً يتابعه الآلاف أو الملايين الوصول إلى جمهور واسع والتأثير في مواقفه وآرائه، دون الحاجة إلى المرور عبر وسائل الإعلام التقليدية.
غير أن اتساع دائرة تأثير صناع المحتوى يثير تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين حق المؤثر في انتقاد السلوكيات السلبية وبين تحويل منصته إلى فضاء لإصدار الأحكام على الأشخاص والمجتمع.
ويظهر هذا الإشكال بوضوح عندما يوثق أحد المؤثرين، على سبيل المثال، انتشار النفايات في شاطئ أو فضاء عمومي. فمن حقه انتقاد رمي الأزبال والدعوة إلى احترام النظافة، لكن الأمر يأخذ منحى مختلفاً عندما يتحول النقد إلى سب أو إهانة للمرتادين ووصفهم بعبارات تمس كرامتهم.
فالانتقاد الموجه إلى سلوك معين يفتح المجال للنقاش وتصحيح الممارسات، بينما يؤدي تعميم الأحكام والإهانات إلى تحويل قضية مشروعة إلى مواجهة مع فئات واسعة من المجتمع.
كما أن أعداد المتابعين والمشاهدات لا تمثل بالضرورة دليلاً على المعرفة أو الخبرة. فامتلاك مليون متابع يمنح صاحبه انتشاراً واسعاً وقدرة على التأثير، لكنه لا يحوله تلقائياً إلى متخصص أو مرجع أخلاقي واجتماعي.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار الدور الإيجابي الذي يستطيع المؤثرون القيام به في تسليط الضوء على اختلالات اجتماعية وبيئية وخدماتية قد لا تحظى دائماً بالتغطية الكافية. غير أن فعالية هذا الدور ترتبط بمدى القدرة على تقديم النقد بمسؤولية، والتمييز بين كشف المخالفة وإهانة صاحبها.
كما أن توثيق مشكلة بواسطة الكاميرا لا يقدم دائماً جميع عناصر الصورة. فانتشار النفايات، مثلاً، يستدعي مساءلة الأشخاص الذين يلقونها، لكنه يطرح أيضاً أسئلة بشأن توفر حاويات القمامة وانتظام عمليات الجمع والمراقبة، ومدى قيام الجهات المسؤولة بأدوارها.
وتلعب خوارزميات منصات التواصل بدورها دوراً في تكريس الخطاب المثير، إذ تحظى المقاطع الغاضبة والتصريحات الصادمة في كثير من الأحيان بتفاعل أكبر، ما قد يشجع بعض صناع المحتوى على البحث عن الجدل والمشاهدات بدلاً من تقديم نقاش متوازن.
وأمام تنامي هذه الظاهرة، يبدو أن مواقع التواصل أنتجت شكلاً جديداً من النفوذ يمكن وصفه بـ”سلطة المتابعة”. وهي سلطة تمنح المؤثر قدرة كبيرة على الوصول إلى الناس وصناعة النقاش، لكنها لا تمنحه حق الوصاية عليهم أو إصدار الأحكام الأخلاقية بحقهم.
ويبقى التحدي في تحقيق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية؛ فالمؤثر من حقه الانتقاد وكشف الاختلالات والمطالبة بالمحاسبة، لكن الشهرة وحدها لا تجعل منه قاضياً على المجتمع الذي منحه تلك الشهرة.