
العفو الجبائي في المغرب: بين تعزيز الإيرادات وتحقيق استدامة النظام الضريبي
“العفو الجبائي في المغرب: بين تعزيز الإيرادات وتحقيق استدامة النظام الضريبي”
شهدت المغرب مؤخراً تطبيق “العفو الجبائي” الذي انتهت صلاحيته في 31 دجنبر الماضي، والذي شمل عمليتي التسوية التلقائية للممتلكات والموجودات في الخارج، والتسوية الطوعية للوضعية الجبائية للأشخاص الذاتيين. هذا الإجراء، الذي تم تدبيره بواسطة مكتب الصرف والمديرية العامة للضرائب، أسهم في تعزيز مداخيل الخزينة العامة بمبالغ تفوق 8 مليارات درهم، منها أكثر من 6 مليارات درهم تم تحصيلها من تصاريح 127 مليار درهم في الإدارة الجبائية، إضافة إلى عائدات أخرى من تسوية الممتلكات الأجنبية.
ورغم هذه المكاسب المالية الفورية، تثير حصيلة العفو الجبائي تساؤلات حول استدامة التحصيل الجبائي وفعالية النظام الضريبي في المغرب. فبينما يسعى المغرب لزيادة إيراداته الضريبية إلى 320.1 مليار درهم هذا العام، يتعين على الحكومة أن تعيد النظر في كيفية إدارة النظام الجبائي بشكل يضمن استدامته ويعزز نجاعة التحصيل. كما يتعين على السياسات الضريبية التركيز على التحفيز التلقائي للمواطنين للوفاء بالتزاماتهم الضريبية، بعيداً عن الضغط الضريبي المفرط الذي قد يؤدي إلى تقليل الإيرادات على المدى الطويل.
في هذا السياق، يعتبر تعزيز الامتثال الضريبي ركيزة أساسية ضمن سياسات المغرب الاقتصادية، لا سيما مع الاستعدادات لمونديال 2030. الامتثال الضريبي يسهم في تحسين استقرار الدولة المالي، حيث يتيح توفير موارد كافية لتمويل القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، وبالتالي دفع عجلة التنمية المستدامة. كما يعزز الامتثال الضريبي الثقة بين المواطنين والإدارة الضريبية، وهو ما يساهم في تحفيز الاقتصاد الوطني عبر جذب الاستثمارات المحلية والدولية.
وفي هذا الصدد، أشار الخبراء إلى أهمية رقمنة الإدارة الضريبية في تحسين الامتثال، حيث تساهم هذه الرقمنة في تقليل الفساد وتسهيل الإجراءات، مما يعزز الشفافية ويجعل متابعة المعاملات الاقتصادية أكثر دقة. الرقمنة توفر أيضاً آلية فعالة لمكافحة التهرب الضريبي وتعزز قدرة الدولة على تتبع الأنشطة الاقتصادية.
أما بالنسبة لإجراء “العفو الجبائي” نفسه، فيعتبر أداة مؤقتة تهدف إلى استرجاع أموال الخزينة بسرعة، لكن تكراره قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية على النظام الضريبي. يمكن أن يعزز هذا الإجراء التهرب الضريبي إذا أصبح أداة متكررة، مما يهدد استدامة المداخيل على المدى البعيد. لذلك، يتطلب استخدام هذا الإجراء توازناً دقيقاً، حيث ينبغي أن يكون مصحوباً بإصلاحات هيكلية تشجع على تعزيز الشفافية والرقابة، بالإضافة إلى توجيه “العفو الجبائي” نحو الفئات المستحقة فقط.
وفي النهاية، يظل تعزيز الامتثال الضريبي وتحسين العلاقة بين الدولة والمواطنين من خلال سياسة ضريبية عادلة وشفافة من أبرز أولويات المغرب في هذه المرحلة، بما يعزز استدامة النظام الضريبي ويرسخ ثقة المواطنين في النظام المالي للدولة.