الحنين والتحول.. تأثير الذكريات على قرارات الهجرة

0

رشيد اركمان 

ذكرى الحنان واحلام قريتي …

قمر نحيف ينحدر بين بيوت الحجارة والطين، تاركًا السماء للنجوم المتناثرة فيها لتكمل السهرة. و”فرنة” مشتعلة نُصبت على حافة “الوادي” كأنها النار المقدسة، يتربع عليها “براد” معدني، غطاؤه يتحرك بخفة كأنه فوهة بركان مائع ومسالم. يقذف حمم “الوركة” على قطع جمر الخشب المشتعلة، فتولد تلك النكهة العجيبة التي تمتزج برائحة النعناع، رفقة ألحان عذبة يطرزها صوت سدوم وهو يشدو ” ذكريات الحنان واحلام قريتي بين السنين الخواليا.

هنا قريتي. يؤسفني أنه لا نديم لي سوى الذكريات والبرد القارص ، وأفكار جنونية تحثني على ترك المدرسة للهجرة نحو الغربة لتغيير وضعيتي من المٌسيْر الى المٌخيَر.

بين هذه الأجواء التي تملأ الروح بالشجن، تتراقص أحلامي الصغيرة، تتناثر مثل النجوم في سماء القرية الهادئة. لكن، يبقى الحنين دائمًا يعيدني إلى تلك اللحظات، حيث كان صوت سدوم والغروب الساكن يملآن المكان، وحيث كانت الذكريات تنبض بالحياة في كل ركن من أركان هذا المكان البسيط.

هنا، على حافة “الوادي”، بالقرب من ضيعتنا الخضراء أتذكر الحنان الاسري وأيام الطفولة التي كانت مليئة بالبراءة والأمل. أحن إلى تلك الأيام التي كانت فيها الأحلام بسيطة وقريبة، والتي كانت فيها الطموحات لا تتعدى حدود القرية. ولكن الآن، أمام نيران “الفرنة” المشتعلة، أشعر أن الوقت قد حان لأخذ خطوة نحو المجهول، نحو مستقبل قد يكون مليئًا بالمفاجآت والتحديات.

فكرت انذاك في ترك المدرسة، في البحث عن طريق آخر، في تجربة أشياء جديدة. قد تكون فيه الهجرة نحو الغرب حلمًا جنونيًا، ولكن من يدري؟ ربما يكون هذا هو السبيل لتحقيق شيء أعظم، شيء يملأ الفراغ الذي تركه وفاة حنان الابوة والسنين الخواليا في قلبي.

إنها مجرد أفكار، ولكنها أفكار تحمل في طياتها رغبة قوية في التغيير، في السعي وراء شيء مختلف. تذكرت سندي، وتذكرت معه كل ما أريد أن أكون، وكل ما أستطيع أن أحققه.

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.