
ذ.كريمة اكتيت: الاستثمار المحلي معركة المغرب الحقيقية ضد الفوارق الجهوية
حين تصبح الجغرافيا قدرا اقتصاديا في المغرب لا يكفي ان تنظر الى الخريطة لتعرف موقع المدن يكفي ان تنظر الى مؤشرات الاستثمار لتفهم خريطة الفرص فهناك جهات تنبض بالمشاريع والمناطق الصناعية والموانئ والتمويلات الكبرى وجهات اخرى ما تزال تنتظر مستثمرا يغامر بالقدوم اليها هذه المفارقة ليست جديدة لكنها اصبحت اليوم اكثر وضوحا مع تسارع التحولات الاقتصادية الكبرى التي يعرفها البلد.
مصطلح مغرب السرعتين لم يعد مجرد عبارة اعلامية بل توصيف واقعي يعكس تمركز الثروة والفرص في اقطاب محددة مقابل هشاشة مزمنة في مناطق داخلية وجبلية وقروية والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل يستطيع الاستثمار المحلي ان يكون الاداة الفعلية لتصحيح هذا الاختلال
الاستثمار المحلي اكثر من مجرد ارقام.
الاستثمار المحلي ليس فقط ضخ اموال داخل الوطن بل هو رهان على دورة اقتصادية متكاملة تنطلق من الارض وتعود اليها حين يستثمر فاعل اقتصادي في جهته فهو لا يخلق مشروعا فحسب بل يخلق شبكة من فرص الشغل ويحفز مقاولات صغيرة ويدعم خدمات ويغذي الثقة في المستقبل.
بعكس الاستثمار الاجنبي الذي قد يتاثر بالتحولات الدولية يتميز الاستثمار المحلي بارتباطه العضوي بالمجال الاجتماعي والثقافي الذي ينتمي اليه انه استثمار في الاستقرار قبل ان يكون استثمارا في الربح.
لكن هذا الرهان يحتاج الى بيئة قانونية واضحة ومحفزة وهنا جاء القانون الاطار 03 22 ليؤسس لمرحلة جديدة عبر تحفيزات مالية مهمة قد تصل الى 30 من قيمة المشروع مع منح خاصة لتشجيع التوطين الترابي وخلق فرص الشغل.
243 مليار درهم هل تكفي
الارقام الرسمية تشير الى تعبئة اكثر من 243 مليار درهم لفائدة برامج التنمية الجهوية تشمل الاف المشاريع في البنيات التحتية التعليم الصحة والطرق القروية كما ان برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية في الوسط القروي حقق نسب انجاز متقدمة.
لكن الارقام مهما كانت كبيرة لا تعني تلقائيا تحقيق العدالة المجالية فالمعضلة ليست فقط في حجم التمويل بل في توزيعه وفعاليته وقدرته على خلق اثر طويل الامد.
هنا يبرز سؤال الكفاءة هل تتحول هذه الاستثمارات الى فرص شغل مستدامة هل تحدث تحولا اقتصاديا حقيقيا في الجهات الاقل جذبا؟
لماذا تستمر الفجوة؟
رغم الاصلاحات ما تزال ثلاث جهات كبرى تستاثر باكثر من ثلثي الاستثمارات الوطنية هذا التركيز يعمق التفاوت ويكرس منطق القطب والجوار الهامشي.
من جهة اخرى تعاني المقاولات الصغرى جدا من ضعف الولوج الى التمويل وتعقيد المساطر وصعوبة الحصول على العقار الاقتصادي كما ان ضعف الاستثمار في البحث العلمي يحد من القدرة على خلق مشاريع ذات قيمة مضافة عالية.
اضافة الى ذلك ورغم اصلاح دور المراكز الجهوية للاستثمار لتصبح شباكا موحدا فان اداءها ما يزال متفاوتا بين جهة واخرى مما يؤثر على جاذبية بعض المناطق.
الجهوية المتقدمة الرهان غير المكتمل
تحقيق العدالة المجالية لا يمكن ان يتم من المركز فقط الجهوية المتقدمة وجدت لتمنح الجهات قدرة اكبر على التخطيط وصناعة القرار التنموي لكن الواقع يكشف ان التفعيل ما يزال دون الطموح.
فالاستثمار المحلي يحتاج الى حكامة ترابية رشيدة تقوم على التعاقد بين الدولة والجهات وعلى وضوح الاهداف وربط التمويل بالنتائج كما يحتاج الى اشراك المنتخبين والفاعلين المحليين في تحديد الاولويات بدل استنساخ نماذج جاهزة لا تناسب خصوصيات كل جهة.
العالم القروي الحلقة الاضعف
الرهان الاكبر يبقى في الوسط القروي حيث تتقاطع الهشاشة الاقتصادية مع ضعف البنيات التحتية صحيح ان الاف المشاريع انجزت لفك العزلة وتحسين الخدمات لكن الاستثمار المنتج ما يزال محدودا.
من دون خلق انشطة اقتصادية مدرة للدخل ستظل الهجرة نحو المدن خيارا شبه حتمي مما يزيد الضغط على الحواضر ويعمق الاختلالات.
الاستثمار والتشغيل المعادلة الصعبة
اي حديث عن الاستثمار يبقى ناقصا ان لم يرتبط بسوق الشغل فالشباب في الجهات الاقل حظا لا ينتظرون فقط طرقا ومدارس بل ينتظرون فرص عمل تحفظ كرامتهم.
التحدي الحقيقي هو تحويل النمو الى فرص تشغيل ذات جودة وليس مجرد ارقام في التقارير وهذا يقتضي توجيه الاستثمارات نحو قطاعات منتجة ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها اكبر مشغل محتمل.
من توزيع الموارد الى توزيع القرار
العدالة المجالية ليست فقط توزيعا للمال بل توزيعا للسلطة التنموية حين تتمكن الجهة من تحديد اولوياتها وجلب استثمارات تناسب مؤهلاتها ومراقبة تنفيذ مشاريعها يصبح الاستثمار المحلي اكثر فعالية
التحول المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق الدعم الى منطق التمكين تمكين الجهات من صناعة تنميتها بدل انتظار قرارات فوقية.
هل يمكن تجاوز مغرب السرعتين
المؤشرات تعكس ارادة سياسية واضحة لاصلاح مناخ الاستثمار وتقليص الفوارق لكن الارادة وحدها لا تكفي المطلوب هو استمرارية الاصلاح وتقييم دوري للبرامج وتصحيح الاختلالات بسرعة.
الاستثمار المحلي يمكن ان يكون قاطرة العدالة المجالية اذا تم دعمه بحكامة قوية وشفافية وثقة متبادلة بين الدولة والمستثمر والمواطن
خاتمة معركة طويلة النفس.
تقليص الفوارق الجهوية ليس مشروع سنة او ولايتين حكوميتين بل مسار طويل يتطلب نفسا استراتيجيا الاستثمار المحلي يشكل حجر الزاوية في هذا المسار لكنه يحتاج الى بيئة اكثر عدلا ومرونة.
اذا نجح المغرب في تحويل الاستثمار المحلي الى قوة انتاجية موزعة جغرافيا بعدالة فسيكون قد خطا خطوة حاسمة نحو انهاء مغرب السرعتين اما اذا استمرت الاختلالات فستظل التنمية ناقصة مهما ارتفعت الارقام .
الرهان واضح والوقت كفيل بكشف النتائج…