الدبلوماسية الدينية المغربية في الساحل: أداة استراتيجية لتعزيز النفوذ الإقليمي والاستقرار

0

شهدت منطقة الساحل تصاعدًا في التنافس الجيوسياسي الحاد بين القوى الكبرى مثل فرنسا وروسيا والصين، التي تسعى لتعزيز نفوذها في إفريقيا. في هذا السياق، أشار الدكتور توفيق عطيفي، الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، إلى أن الدبلوماسية الدينية تُعتبر فرعًا ناشئًا من العلاقات الدولية، وتقع ضمن إطار “القوة الناعمة” و”القوة الذكية” التي يعتمد عليها المغرب. وأوضح أن هذه الدبلوماسية لا تقوم على الهيمنة أو الإكراه، بل على مشاركة الرأسمال الرمزي والديني المشترك.

وفي مداخلته التي حملت عنوان “الدبلوماسية الدينية المغربية في فضاء الساحل: أداة ناعمة لتعزيز الاستقرار الإقليمي”، أوضح عطيفي أن الدبلوماسية الدينية المغربية ضمن المبادرة الأطلسية تعيد تثبيت دور المغرب الإقليمي عبر استخدام القوة الذكية التي تمزج بين الرأسمال الرمزي والقدرة المؤسسية، مستندة إلى هويات إفريقية محلية، بعيدًا عن فرض نماذج خارجية.

كما أكد على ضرورة التفريق بين الدبلوماسية الدينية كأداة استراتيجية ناعمة، وبين التبشير الديني أو التصدير الإيديولوجي، وهما مفهومان مرتبطان بالممارسات الغربية ذات الطابع الكنسي أو ببعض القوى الإسلامية التي تسعى لتصدير نماذجها الدينية لأغراض سياسية. على العكس، فإن النموذج المغربي لا يهدف إلى فرض أي نمط ديني أو مذهبي، ويعتمد على مؤسسات رسمية ذات شرعية وطنية ودولية.

وأشار المتحدث إلى أن طموح المغرب في منطقة الساحل يتجاوز مجرد “التصدير الديني”، ليصبح مشروعًا استراتيجيًا للنفوذ الإيجابي والمستدام، عبر دمج الدين مع التنمية والتكوين في شبكة من العلاقات الروحية والاجتماعية والثقافية. وبذلك، تمثل الدبلوماسية الدينية المغربية نموذجًا عمليًا للقوة الناعمة الذكية التي تؤثر دون تصادم وتنتشر دون هيمنة.

واختتمت الندوة بمداخلة للدكتور منار السليمي الذي وضع المبادرة ضمن إعادة تنظيم الفضاء الإقليمي للساحل، معتمدًا على فهم ديناميات العلاقات الدولية. واعتبر أن مبادرة الأطلسي تمثل محاولة لبناء “إفريقيا أطلسية” جديدة عبر المغرب، مشيرًا إلى مبادرات سابقة مثل جعل الدار البيضاء العاصمة المالية للقارة التي تنسجم مع نفس الرؤية. ودعا السليمي إلى تبني مقاربة أنثروبولوجية تبرز الروابط الثقافية والروحية العميقة بين المغرب وإفريقيا من خلال امتدادات الأولياء المغاربة في القارة.

وفيما يتعلق بقضية الصحراء، نوّه بأن المغرب سبق وأن بادر بالحوار مع الجزائر قبل إطلاق المبادرة، لكنه لم يلق تجاوبًا، معتبراً أن جوهر النزاع يكمن في الأهمية الجيوستراتيجية للمحيط الأطلسي، محذرًا من مخاطر التوترات التي قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي.

بهذا الشكل، شكل المنتدى منصة حيوية لتبادل وجهات النظر السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية حول المبادرة المغربية في منطقة الساحل والأطلسي، وأبرز التحديات الكبيرة التي تواجهها في ظل المتغيرات الجيوسياسية السريعة، مما يؤكد أن مستقبل إفريقيا مرتبط بشكل وثيق بدور المغرب المتنامي في الفضاءات الإقليمية والبحرية المجاورة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.