فن الدقة الرودانية.. إرث فني أصيل يجسد روح التضامن والفرح الجماعي

0

يُعتبر فن الدقة الرودانية من أبرز المكونات التراثية الأصيلة التي تميز مدينة تارودانت، فهو ليس مجرد لون فني إيقاعي، بل ذاكرة جماعية تختزل قروناً من الإبداع والروح الجماعية. وقد تمكن هذا الفن من الحفاظ على مكانته في الحياة الاجتماعية والثقافية للمدينة، حيث يرافق سكانها في مختلف المناسبات الدينية والوطنية، مكرساً بذلك عمق الموروث المحلي وقدرته على الصمود أمام تغيرات الزمن.

يعود ظهور فن الدقة الرودانية إلى القرن السادس عشر، حيث نشأ بين صفوف الحرفيين بتارودانت الذين جعلوا منه وسيلة للاحتفاء والعمل الجماعي، فكان تعبيراً عن روح التعاون والتقاسم التي تميزت بها المدينة عبر تاريخها. ومع ازدهار الفلاحة والصناعات التقليدية، شهدت الدقة أوجها الفني والاجتماعي، قبل أن تعرف فترات من التراجع بسبب الأزمات الاقتصادية والجفاف، ما دفع العديد من أبنائها إلى الهجرة نحو مراكش، حيث واصلوا إحياء هذا الفن في الاحتفالات الشعبية، خصوصاً خلال مناسبة عاشوراء، ليصبح جزءاً من التراث المغربي المشترك.

ويقوم هذا الفن على تناغم الإيقاعات، باستخدام آلات تقليدية مثل الطرز، والكور، والبنادر، والطعاريج، التي تضفي على الأداء جمالية خاصة وانسجاماً روحياً. أما الجانب الغنائي، فيتجلى في الإنشاد الجماعي للمديح النبوي والأشعار الشعبية داخل حلقات دائرية تعكس وحدة المجموعة وتماسكها.

ولا تقتصر أهمية الدقة الرودانية على بعدها الفني، بل تتعداه لتجسد قيماً اجتماعية وروحية، إذ تمثل مناسبة للتعبير عن التضامن والفرح الجماعي، واستحضار القيم الأصيلة في أجواء من الابتهاج. وتظل الدقة جزءاً من طقوس الاحتفال الممتدة من فاتح محرم إلى تاسعه، قبل أن تتوج بـ“الفراجة”، وهي مشهد احتفالي أكثر صخباً وغنى بالألوان والزينة والغناء الشعبي.

وفي هذا السياق، أوضح عبد اللطيف ماكيس، رئيس جمعية الأسوار للدقة الرودانية والفنون الشعبية، أن الجمعية التي تأسست سنة 2013، تعمل على حماية هذا التراث العريق وصونه من الاندثار، مبرزاً أن “الدقة وتارودانت لهما تاريخ واحد”. وأشار إلى أن الجمعية تحيي المناسبات الدينية والوطنية، وتحرص على تنظيم لقاءات دورية تُعرف باسم “الجماعيات”، يجتمع خلالها عشاق هذا الفن لمواصلة نقله إلى الأجيال الجديدة.

بدوره، أكد الفنان عبد الرحيم كشول أن الدقة الرودانية تمثل العمود الفقري للفن الغنائي بالمدينة، وتحظى باعتراف واسع داخل المغرب وخارجه، باعتبارها تجسيداً للهوية الثقافية الرودانية الأصيلة.

ويجمع المهتمون بالتراث المحلي على أن فن الدقة الرودانية يختزل في إيقاعاته وقصائده قيم الوحدة والتآزر، ويعبر عن هوية مدينة عريقة استطاعت أن تجعل من الموسيقى لغة للتعبير عن الفرح والإنسانية، وعن حب الحياة الذي لا ينطفئ في وجدان أبنائها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.