
ذ. صبير: كارثة تشريعية في مهنة المحاماة… تعديلات مجلس المستشارين تطعن في استقلالية المهنة.
في مشهد تشريعي يثير القلق والاستغراب، صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، مساء يومه 22/06/2026 على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وسط غياب أي صوت معارض رغم ما شهده النص من تعديلات جوهرية تهدد كينونة المهنة واستقلاليتها. فبدلاً من أن تكون محطة لتجاوز الأزمة وتصحيح المسار، تحولت جلسة المستشارين إلى مسرح لإقرار “تراجعات خطيرة” تمس بأساسيات مهنة المحاماة وتنذر بكارثة حقيقية.
*48 تعديلاً… ومخاوف أكبر:
بحسب التقارير الصادرة عن اللجنة، تم إدخال ما مجموعه 48 تعديلاً جوهرياً همّت 35 مادة من المشروع. ورغم أن بعض هذه التعديلات قد تبدو شكلية أو تنظيمية، إلا أن مضامينها تحمل في طياتها انتقاصاً خطيراً من دور المحاماة واستقلاليتها. فقد نصّت التعديلات على إخضاع حسابات ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات, وهو ما يعد تدخلاً سافراً في الشؤون المالية للهيئات المهنية، ويناقض مبدأ التنظيم الذاتي الذي طالما ناضل من أجله المحامون.
كما تضمنت التعديلات رفع السن الأقصى للمترشحين لولوج المهنة من 45 إلى 50 سنة، وتوسيع التخصصات العلمية المقبولة لاجتياز مباراة الولوج إلى معهد المحاماة بإضافة خريجي كليات الشريعة. وهذه التعديلات، وإن بدت في ظاهرها تنظيمية، فإنها في جوهرها تغير من طبيعة المهنة وتفتح الباب أمام تدخلات قد تمس بجودة الخدمات القانونية المقدمة.
لا تعتبر ردود فعل هيئات المحامين وليدة اللحظة، بل جاءت لتؤكد مخاوف راكمتها أشهر من الجدل والنقاش. فقد اعتبرت جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن المشروع في صيغته التي صادق عليها مجلس النواب، والتي تأكدت في تعديلات المستشارين، يتضمن “تراجعات خطيرة تمس باستقلالية المهنة وحصانتها والتنظيم الذاتي للهيئات”.
وقد سبق وقد جاء في بلاغ الجمعية سابقا أن هذه التراجعات “توحي بوجود استهداف ممنهج للمحاماة في كينونتها، ولموقعها داخل المجتمع، ولدورها الفاعل في الدفاع عن الحق والقانون، وضمان المحاكمة العادلة”. وهذا ليس كلاماً مرسلاً، بل هو تقييم موضوعي لنص تشريعي يسعى، في مجمله، إلى تقليص هامش حرية المحامين وتقييد قدرتهم على أداء رسالتهم النبيلة.
*إضراب ومعركة وجودية:
الحل الوحيد والمتبقي هو إضراب شامل ومتواصل احتجاجاً على هذا المشروع، معتبرين أن المعركة التي نخوضها هي “معركة متجددة وذات طابع وجودي”. وهذا الوصف دقيق، فما يهدد اليوم ليس مجرد تعديلات قانونية يمكن تجاوزها، بل هو مساس بجوهر مهنة قائمة على الاستقلال والنزاهة والدفاع عن الحقوق.
والأكثر إثارة للقلق هو أن كل هذه التعديلات الجوهرية تمت دون تسجيل أي صوت معارض في لجنة المستشارين، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة “التوافق” الذي تم، وعما إذا كان يعكس فعلاً إرادة المهنيين أم أنه مجرد توافق سياسي على حساب مهنة عريقة.
إن ما يقع اليوم في مجلس المستشارين ليس مجرد حلقة عادية في مسار تشريعي، بل هو كارثة حقيقية تتهدد مهنة المحاماة في المغرب. فبين رفع سن الولوج، وإخضاع الحسابات لرقابة خارجية، وتغيير المفاهيم الأساسية كاستبدال “المحاكمة العادلة” بـ”العدالة”، تتآكل تدريجياً كل الضمانات التي تحمي استقلالية المحامي وتكفل له أداء رسالته في حرية.
إن مهنة المحاماة ليست مجرد مهنة كسائر المهن، بل هي ركيزة أساسية في منظومة العدالة وضمانة لحقوق المواطنين. والنيل من استقلاليتها هو نيل من العدالة بحد ذاتها. لذا، فإننا إذ نتابع بقلق بالغ هذه التعديلات “الكارثية”، فإننا نناشد جميع الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين التوقف عند هذا الخط الأحمر، والعودة إلى طاولة الحوار الجاد مع ممثلي المهنة، قبل فوات الأوان.
“فلننقذ المحاماة… قبل أن تنقذنا هي من أنفسنا” .
ذة. نرمين صبير، محامية بهيئة المحامين بمراكش