
دراسة سوسيولوجية تفسّر قوة الدارجة وتحديات الأمازيغية المعيارية في المغرب
سلّطت دراسة أكاديمية حديثة الضوء على تعقيدات المشهد اللغوي المغربي، من خلال تقديم طرح نظري جديد يعيد التفكير في أسس تحليل السياسات اللغوية داخل المجتمعات المتعددة اللغات. الدراسة، التي أنجزها الباحث إدريس أيت الحو، أستاذ السوسيولوجيا الترابية بـجامعة القاضي عياض، تقترح ما يسميه بـ«نموذج الجاذبية الترابية للاستعمالات اللغوية» بوصفه بديلاً تفسيرياً للتقابلات الكلاسيكية في سوسيولوجيا اللغة.
وينطلق الباحث من نقد نموذج «السوق اللغوية» الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، والذي يربط شرعية اللغة بمدى تحويلها إلى رأسمال رمزي تمنحه الدولة عبر المدرسة والإدارة. ويرى أيت الحو أن هذا التصور، رغم أهميته، يبالغ في تفسير الهيمنة اللغوية من زاوية إعادة الإنتاج الرمزي، ويغفل الديناميات اليومية التي تحكم الاستعمال الفعلي للغات داخل الفضاءات الاجتماعية.
وفي المقابل، تستحضر الدراسة المقاربة الفيبيرية المستلهمة من أعمال ماكس فيبر، والتي تنظر إلى الفعل اللغوي باعتباره ممارسة اجتماعية ذات معنى، تحكمها اعتبارات عقلانية وقيمية وعاطفية. غير أن الباحث يحذر من الوقوع في النزعة الفردانية إذا جرى عزل اختيارات المتكلمين عن القيود البنيوية والتراتبيات الرمزية القائمة.
ولتجاوز هذا التعارض، يقترح أيت الحو مفهوم «الجاذبية الترابية»، الذي يربط بين المؤسسات والبنيات من جهة، وعقلانيات الفاعلين من جهة ثانية، والفضاءات المجالية التي تتشكل داخلها الممارسات اللغوية من جهة ثالثة. فبحسب هذا التصور، قد تفتقر لغة ما إلى الاعتراف القانوني، لكنها تظل قوية اجتماعياً بفعل قدرتها على تحقيق النجاعة التواصلية وإنتاج الاعتراف داخل الحياة اليومية.
ويبرز هذا التحليل بوضوح في الحالة المغربية، حيث تواصل الدارجة ترسيخ حضورها الواسع في التفاعلات اليومية رغم غياب وضع قانوني رسمي لها، في حين تستمد التنويعات الأمازيغية الجهوية مشروعيتها من ارتباطها بالمجال والذاكرة الجماعية. بالمقابل، تواجه الأمازيغية المعيارية، رغم الاعتراف الدستوري، صعوبات تتعلق بضعف اندماجها في الممارسات اليومية، ما يحد من جاذبيتها الاجتماعية.
كما تتناول الدراسة وضعية اللغات الأجنبية، مشيرة إلى استمرار قوة الفرنسية داخل مجالات الإدارة والاقتصاد والتعليم العالي، مقابل صعود تدريجي للإنجليزية المرتبطة بالعولمة والرقمنة، دون أن تبلغ بعد مستوى الانتشار الاجتماعي العميق. ويخلص الباحث إلى أن هذا التفاوت يعكس اختلاف مستويات «الجاذبية الترابية» لكل لغة داخل فضاءات اجتماعية متباينة.
وفي جانب تطبيقي، حللت الدراسة صيغاً أمازيغية متعددة لنص سردي واحد، مبرزة وجود نواة لغوية مشتركة تضمن الفهم المتبادل، إلى جانب اختلافات تعكس استقرار عادات لغوية مجالية. ويؤكد هذا التحليل أن التنوع الأمازيغي يشكل استمرارية متعددة المراكز لا تعارضاً بنيوياً.
وتخلص الدراسة إلى أن تقييم السياسات اللغوية لا ينبغي أن ينحصر في بعدها القانوني أو المؤسساتي، بل يجب أن يراعي قدرتها على إنتاج شرعية اجتماعية فعلية داخل المجالات المحلية. كما يدعو أيت الحو إلى تطوير «سوسيولسانيات ترابية» تجعل من المجال محوراً لفهم العلاقة بين اللغة والسلطة والمعنى في المجتمعات المتعددة اللغات.