تصعيد الاحتقان في تندوف يفتح الباب لترويج البوليساريو لمبادرة الحكم الذاتي

0

 

في ظل تصاعد الاحتقان الداخلي بشكل ملحوظ في مخيمات تندوف، ومع زيادة الضغوط الدولية المطالبة بحل واقعي وعاجل لنزاع الصحراء المغربية، خرج ما يسمى “وزير الداخلية” في البوليساريو، إبراهيم البشير بيلا، بتصريحات تحمل في طياتها مراجعة ضمنية للخطاب التقليدي للجبهة. حيث اعترف بوجود مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كأحد الخيارات الممكنة لحل النزاع الإقليمي المفتعل.

وقال بيلا في تصريحات لوسيلة إعلامية جزائرية إن “الحكم الذاتي لا يمثل سوى خيار من بين عدة خيارات ينبغي التفكير فيها لتسوية النزاع”. وأضاف أن الجبهة مستعدة للانخراط في مفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة، شرط أن تكون هذه المفاوضات “جدية” وتؤدي إلى حل قائم على مبدأ تقرير المصير.

ورغم أن بيلا عاد إلى سرديات تاريخية تهدف إلى التقليل من جدية المبادرة المغربية، فإن التصريحات الأخيرة تكشف عن محاولة واضحة لاحتواء تنامي ظاهرة العصيان المدني داخل مخيمات تندوف. حيث يعاني السكان من انسداد الأفق السياسي للجبهة وتراجع دعم أطروحتها الانفصالية. وفي الوقت نفسه، تُعد هذه التصريحات تمهيدًا لاحتمال انخراط مرن في الطروحات الجديدة التي تقودها قوى دولية، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف التوصل إلى تسوية قائمة على الواقعية والبراغماتية تحت السيادة المغربية.

وتعتبر هذه التصريحات أيضًا محاولة سياسية لتهيئة من تدعي الجبهة تمثيلهم داخل المخيمات لتقبل مسار جديد، خاصة بعد أن نجح المغرب في تعزيز سيادته على أقاليمه الجنوبية من خلال دبلوماسية فعالة وتنمية شاملة جعلت من مبادرة الحكم الذاتي مرجعًا واقعيًا وموثوقًا لكل من يسعى لحل سياسي نهائي ومتوافق عليه.

وفي تعليق على هذا التحول غير المسبوق في خطاب البوليساريو، أكد أحد وجهاء وأعيان قبائل الصحراء المغربية أن التصريحات الأخيرة تعكس تحولًا جديدًا في موقف الجبهة، التي كانت ترفض بشكل قاطع المقترح المغربي طوال عقود، متمسكة بخيار الاستفتاء. وأوضح أن هذا التحول ليس اختياريا، بل هو نتيجة لضغوط داخلية وإكراهات فرضتها مستجدات الوضع السياسي والاجتماعي في المخيمات.

وأضاف أن هذا التحول يعكس اضطرارًا داخليًا بعد التراجع الكبير الذي شهدته مواقف بعض الدول تجاه جبهة البوليساريو، مقابل تزايد التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدمها المملكة المغربية منذ عام 2007. هذه المبادرة تتماشى مع قرارات مجلس الأمن ومع المقاربة التوافقية التي يطالب بها المجتمع الدولي.

من جانبه، أكد أحد الخبراء الأكاديميين أن التصريحات الأخيرة تمثل ارتباكًا في الخطاب السياسي للبوليساريو، مشيرًا إلى أن هذا التذبذب يعكس عدم استقلالية القرار داخل الجبهة، بل وامتثالها التام لمواقف النظام العسكري الجزائري. وأوضح أن المبادرة المغربية التي تمنح الأقاليم الجنوبية حكمًا ذاتيًا تحت السيادة المغربية قد شكلت منعطفًا حاسمًا في نزاع الصحراء، حيث حصلت على دعم دولي متزايد، سواء من الأمم المتحدة أو القوى الدولية الكبرى.

وأضاف أن التصريحات الأخيرة من البوليساريو تستهدف بشكل رئيسي استمالة الرأي العام داخل المخيمات، في محاولة لامتصاص التوتر المتصاعد وسط السكان، الذين يعانون من الوضع الاجتماعي المتدهور. وبالرغم من ذلك، يظل خطاب الانفصال في تراجع، في وقت يتزايد فيه التأييد لمبادرة الحكم الذاتي كحل عملي ونهائي.

في الختام، يظهر أن القيادة الانفصالية باتت تدرك أن خطابها السابق لم يعد صالحًا وأن هناك تحولات جيو-سياسية تدفعها للبحث عن تسوية توافقية تضمن الاستقرار الإقليمي. هذا التحول في الخطاب يشير إلى نهاية مرحلة التشدد في المواقف، حيث أصبح خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية معترفًا به كحل منطقي وواقعي، يتماشى مع تطورات الملف على الصعيدين الداخلي والدولي.

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.