
التسول في المغرب: بين التجريم القانوني وتحديات التحول الرقمي
لقد كرّم الله الإنسان وفضّله على سائر الكائنات، فجعل له مكانة رفيعة تُصان فيها كرامته وتُحترم إنسانيته، كما ورد في كتابه العزيز:”وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ…”.
هذا التكريم الرباني يستوجب من المجتمعات أن تبني نظمًا وقوانين ومؤسسات تضمن للإنسان حقه في الحياة الكريمة والعمل المنتج والمشاركة الفعالة في تنمية مجتمعه، بدل أن يعيش على هامش المجتمع أو يكون عرضة للذل والاستعطاف.
إلا أن المتتبع للواقع المغربي يلاحظ بوضوح تفشي ظاهرة التسول في الفضاءات الحضرية وعلى أبواب المساجد، وفي الطرقات، بل وحتى في الفضاء الرقمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مما يطرح تساؤلات مهمة حول مآل كرامة الإنسان، وجدية البرامج الاجتماعية، وأثر التشريعات في تنظيم وضبط هذا السلوك.
فالتسول، وإن كان ظاهرة اجتماعية ترتبط بالحاجة والفقر، فقد تجاوز ذلك في كثير من الحالات ليصبح مهنة قائمة بذاتها، تستغل تعاطف الناس وثغرات القانون، وتتخذ من الاتكالية وسيلة للعيش والربح، حتى لدى بعض الميسورين. كما أنه توسع في أشكاله ليشمل التسول الإلكتروني، ما يطرح تحديات جديدة على مستوى التشريع والحماية المجتمعية.
❖ أولاً: مفهوم التسول وأبعاده السوسيولوجية
◉ تعريف لغوي واصطلاحي
في اللغة، التسول مأخوذ من “سأل”، ويعني التماس الحاجة. أما اصطلاحًا، فقد عرفته المعاجم الحديثة بأنه: طلب المال أو الصدقة من الآخرين في الفضاءات العامة، دون تقديم مقابل مادي أو معنوي، وجعله حرفة أو وسيلة للعيش.
وقد امتنعت معظم التشريعات، بما فيها المغربي، عن تقديم تعريف مباشر له، مكتفية بوصف الحالات التي يتحقق فيها.
◉ التسول كظاهرة اجتماعية
يُعد التسول من الظواهر المركبة التي تنتشر في المجتمع لأسباب متشابكة: فقر، بطالة، هشاشة أسرية، إدمان، هجرة قروية، وغياب التماسك الأسري. ويتخذ التسول اليوم صورًا متعددة:
تسول مباشر (مد اليد أو ادعاء المرض)
تسول غير مباشر (بيع سلع رمزية، مسح زجاج السيارات)
تسول موسمي (في رمضان والأعياد)
تسول الأطفال (ظاهرة متفاقمة بالمغرب)
تسول إلكتروني (الاستعطاف عبر منصات التواصل)
هذا التنوع في الأشكال يفرض فهمًا جديدًا للظاهرة، بوصفها ليست مجرد نتيجة للفقر، بل أحيانًا نمط عيش مقصود يستغل تعاطف الناس وغياب الرقابة:
❖ ثانيًا: البعد الديني في مقاربة التسول
كرّم الإسلام الإنسان ونهى عن إذلال النفس، فقال صلى الله عليه وسلم:
“لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ”
كما دعا إلى الكسب الحلال والسعي والعمل، فقال:
“ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده”.
ورغم حرص الإسلام على إغاثة المحتاج، فقد قيد جواز التسول بثلاث حالات فقط كما ورد في حديث قبيصة:
من تحمل دَينًا (حمالة)
من أصابته جائحة (كارثة)
من أصابته فاقة (فقر مدقع بشهادة أهل المعرفة)
عدا هذه الحالات، فإن التسول محرم شرعًا، ويُعد أكلًا للمال بالباطل، وقد وصفه الرسول بـ”السُّحت”، أي المال الحرام. وبهذا يلتقي الموقف الديني مع دعوة الدولة إلى صيانة كرامة الإنسان.
❖ ثالثًا: الموقف القانوني المغربي
◉ النصوص المنظمة
خصص المشرع المغربي الفصول من 326 إلى 333 من القانون الجنائي لجرائم التشرد والتسول، ومن أبرز ما ورد فيها:
الفصل 326: يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر من تسوّل رغم توفره على وسائل العيش.
الفصل 327: الحبس من 3 أشهر إلى سنة في حال استعمال وسائل احتيالية (التمارض، اصطحاب الأطفال…).
الفصل 331: تشديد العقوبة من سنة إلى ثلاث سنوات في حال حيازة أسلحة أو أدوات جرمية.
لكن رغم وضوح هذه النصوص، لا تزال الظاهرة منتشرة، ما يكشف إشكالية ضعف التفعيل القضائي، وغياب بدائل اجتماعية حقيقية للفئات الهشة.
◉ غياب تجريم صريح للتسول الرقمي
حتى اليوم، لا يتوفر في المغرب نص قانوني صريح يُجرم التسول الإلكتروني، رغم تنامي هذه الظاهرة على منصات مثل فيسبوك ويوتيوب والتيك توك. وهذا الفراغ التشريعي يشجع على تفشي المحتوى المتعلق بالاستعطاف الرقمي، ويصعب ضبطه قانونيًا.
❖ رابعًا: التسول الرقمي… آفة جديدة في ثوب عصري
يُعد التسول الإلكتروني أو الرقمي تطورًا مقلقًا لظاهرة التسول، إذ أصبح المتسول ينشئ حسابات رقمية، يروي فيها قصصًا إنسانية حزينة، أو يعرض صورًا مفبركة لحالات صحية صعبة، من أجل استدراج المتابعين إلى التبرع عبر التحويلات البنكية أو خدمات الدفع الرقمي.
ومن مخاطر هذا النوع من التسول:
استغلال العواطف لأهداف مالية.
صعوبة التحقق من هوية المتسول.
الإساءة لصورة المغرب بالخارج.
ضعف الرقابة على التحويلات المالية الصغيرة.
وقد دعت تقارير متعددة إلى إحداث إطار قانوني رقمي وتنظيم المحتوى السمعي البصري عبر الإنترنت، ومنح الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري صلاحيات أوسع للضبط والرقابة.
❖ خامسًا: نحو معالجة شاملة للظاهرة
لا يمكن حصر التسول في كونه جريمة فقط، بل هو عرض لأزمة اجتماعية واقتصادية أعمق، وتتطلب معالجته:
1. إحداث مشاريع مدرة للدخل وتشجيع المبادرات الحرة.
2. تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية لغير القادرين على العمل.
3. إدماج المتسولين في برامج التكوين المهني.
4. إطلاق حملات توعوية مجتمعية ضد الاتكالية.
5. تحيين القانون الجنائي المغربي ليشمل صراحةً التسول الإلكتروني.
كما أن للأسر والمدارس والمجتمع المدني دورًا محوريًا في غرس ثقافة الاعتماد على النفس واحترام قيمة العمل، خاصة
وختامًا، إن ظاهرة التسول في المجتمع المغربي، بتعقيداتها وأشكالها المختلفة، تضع أمامنا تحديًا كبيرًا يستوجب تضافر الجهود القانونية، الاجتماعية، التربوية، والاقتصادية، لمكافحة هذه الآفة التي تشوه صورة المجتمع وتنال من كرامة أفراده.
التسول لم يعد مجرد حالة فقر أو عوز، بل تحول إلى ظاهرة مركبة يستخدمها البعض كوسيلة استرزاق ووسيلة للاتكالية، مع ما يصاحب ذلك من استغلال للأطفال والنساء، وتحول إلى مهنة في بعض الأحيان.
لهذا، فإن الحل الحقيقي يتطلب توفير بدائل حقيقية من فرص العمل والدعم الاجتماعي، مع تعزيز التشريعات وتنفيذها بصرامة، إضافة إلى بناء وعي مجتمعي راسخ بأهمية العمل والاعتماد على النفس كقيم جوهرية.
كما لا بد من مواكبة تطورات العصر الرقمي بوضع قوانين جديدة تجرّم وتحد من التسول الإلكتروني، وتوعية المستخدمين، خاصة الشباب، للحفاظ على سلامة المجتمع وقيمه.
فالتصدي للتسول مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأفراد، ولن يتحقق إلا بتضافر الجهود وتكامل السياسات، حفاظًا على كرامة الإنسان وصونًا لصورة الوطن.