
قروض صغيرة وأحلام كبيرة: هل تنجح المشاريع الصغرى في مواجهة الفقر وتعزيز التنمية بالمغرب؟
في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المغرب، تبرز المشاريع الصغيرة والمتوسطة كأداة استراتيجية لمحاربة الفقر وتعزيز التنمية المستدامة. لم يعد الاعتماد على الدعم الاجتماعي المباشر كافياً، بل أصبح تمكين الأفراد اقتصادياً وتزويدهم بالأدوات اللازمة لتحسين أوضاعهم شرطاً أساسياً لتحقيق تغيير حقيقي ودائم.
واستناداً إلى هذه الرؤية، اعتمد المغرب سياسة واضحة لدعم وتمويل المشاريع الصغيرة، خصوصاً في المناطق الهشة والمهمشة. ويشمل هذا الدعم التمويل المالي والتكوين والمواكبة وتسهيل الولوج إلى الأسواق، بما يتيح للمقاولات الصغرى النمو والازدهار.
ولتفعيل هذا التوجه، اقترح المحلل الاقتصادي محمد جدري عدداً من التدابير، أبرزها تبسيط المساطر الإدارية لإنشاء المقاولات، وتسهيل الولوج إلى التمويلات البنكية، وفتح الطلبيات العمومية أمام المقاولات الصغيرة جداً، والمقاولين الذاتيين، والتعاونيات، بما يضمن توزيع الفرص بشكل أكثر عدلاً ويعزز دينامية الاقتصاد المحلي. كما شدد على أهمية المواكبة خلال السنوات الأولى من عمر المقاولة، حيث تشير الإحصاءات إلى أن آلاف المقاولات تفشل سنوياً في تجاوز السنتين الأوليين، مما يستلزم دعماً خاصاً ومستمراً خلال هذه الفترة. وختم جدري بالدعوة إلى اعتماد مقاربة جديدة لدعم المقاولات الصغيرة جداً، خصوصاً في الجهات المهمشة، مؤكداً أنها تمثل ركيزة أساسية لخلق فرص الشغل وخفض معدل البطالة إلى أقل من 9 بالمئة بحلول 2030.
وأشار جدري إلى أن المغرب يسير وفق رؤية اقتصادية تهدف إلى مضاعفة الناتج الداخلي الخام من 130 مليار دولار سنة 2021 إلى أكثر من 260 مليار دولار في أفق 2035. ولتحقيق هذا الهدف، شدد على ضرورة تعزيز الاستثمار الخاص ليشكل ثلثي الاستثمار الإجمالي، مع التركيز على قطاعات حيوية تشمل الأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن الطاقي، وتقليص الفوارق بين جهات المملكة إلى أقل من 30 بالمئة، ورفع نسبة نشاط النساء لتصل إلى 45 بالمئة.
من جانبه، أكد المحلل الاقتصادي علي غنبوري أن الفقر لا يزال أحد أبرز التحديات في المغرب، خاصة في المناطق القروية والنائية، حيث تعاني فئات واسعة من ضعف الدخل وغياب فرص الشغل واستمرار الفوارق الاجتماعية. وأوضح أن تمويل المشاريع الصغيرة يمثل حلاً فعالاً لمواجهة الفقر، من خلال إتاحة فرص حقيقية لخلق مصادر دخل ذاتية ومستدامة، مشيراً إلى أن مشاريع بسيطة مثل التعاونيات النسائية أو الأنشطة الفردية يمكن أن تُحدث تغييراً ملموساً في حياة المستفيدين ومحيطهم، خاصة عند اقترانها بآليات الدعم المالي مثل القروض الصغرى.
كما أبرز غنبوري الدور المحوري للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية في دعم الأنشطة المدرة للدخل عبر التمويل والمواكبة والتأطير، وتوفير البنيات التحتية لتسويق المنتجات. وأشار إلى انخراط الجهات والجماعات الترابية في هذا الورش عبر برامج تراعي خصوصيات كل منطقة، مثل دعم جهة سوس ماسة لتعاونيات إنتاج وتسويق زيت الأركان، وتشجيع جهة الشرق مشاريع الفلاحة التضامنية، والاهتمام بالأقاليم الجنوبية المرتبطة بالصيد البحري.
وأشار غنبوري إلى أن ما يميز هذه المشاريع هو قدرتها على خلق فرص شغل محلية بسرعة وبتكلفة منخفضة، إلى جانب تعزيز روح المبادرة وتقوية النسيج الاجتماعي. لكنه شدد على أن نجاحها مرهون بتبسيط مساطر التمويل وتوفير التكوين اللازم لاستمرارية المشاريع. وختم بالإشارة إلى أن هذا التوجه ينسجم مع رؤية المغرب 2035، التي تضع تنمية الرأسمال البشري ودعم الاقتصاد الاجتماعي في صلب استراتيجيتها، مؤكداً أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة ليست حلاً مؤقتاً، بل مكون أساسي لبناء اقتصاد متوازن يعزز العدالة المجالية والاجتماعية، ويمكن أن يتحول إلى محرك حقيقي للتنمية إذا تم ربطها بالتحولات الرقمية والبيئية.