
عيد العرش 2025: بين اليد الممدودة إلى الجزائر وتعزيز الدولة الاجتماعية
جاء خطاب العرش لسنة 2025 في لحظة دقيقة ومفتوحة على رهانات داخلية وخارجية معقدة، وعبّر فيه جلالة الملك محمد السادس عن رؤية متكاملة لبناء مغرب جديد: أكثر عدالة، أكثر تماسكًا، وأكثر انفتاحًا على محيطه الإقليمي والدولي. حمل الخطاب رسائل متعددة، تمسّ الاقتصاد والمجتمع والبيئة والقانون، وتُجدد دعوة ملكية صادقة لتجاوز الخلافات السياسية مع الجزائر، في إطار سياسة اليد الممدودة.
أولاً: البُعد الاقتصادي – ترسيخ الدولة الاجتماعية وتحفيز التنمية الشاملة
أكد الملك محمد السادس على أن المشروع التنموي للمغرب لا يمكن أن يحقق أهدافه بدون توطيد أركان الدولة الاجتماعية، وذلك من خلال تعميم الحماية الاجتماعية، وتحسين العرض الصحي، وتشجيع الاستثمار المنتج.
الخطاب شدد على ضرورة مواءمة التكوين المهني مع حاجيات سوق الشغل، وخلق فرص عمل للشباب، ما يعكس تحولًا اقتصاديًا نحو مقاربة تشاركية، تستثمر في الرأسمال البشري وتكرّس العدالة الاجتماعية.
كما أن الحديث عن تعبئة الموارد وتنمية المناطق المهمشة يؤشر على أن المغرب يسير نحو نموذج اقتصادي جهوي متوازن، يربط بين المركز والأطراف، ويضع العدالة المجالية في صلب السياسات العمومية.
ثانيًا: البُعد القانوني – تكريس ربط المسؤولية بالمحاسبة
لم يكن البعد القانوني غائبًا عن الخطاب، بل احتل موقعًا محوريًا، من خلال الدعوة إلى تعزيز حكامة المؤسسات والإدارات العمومية، وتحقيق فعالية حقيقية في تنزيل المشاريع التنموية.
فجلالة الملك ذكّر بمبدأ دستوري جوهري، هو ربط المسؤولية بالمحاسبة، مشددًا على أن المسؤولين المحليين والمنتخبين مطالبون بالتجاوب مع تطلعات المواطنين، عبر تخليق المرفق العام وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة.
ويتماهى هذا التوجه مع ما نص عليه دستور 2011 من مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية والنزاهة وربط السياسات بالتقييم.
ثالثًا: البُعد الاجتماعي – تمكين الشباب وضمان الكرامة
اجتماعيًا، حمل الخطاب التزامًا صريحًا بالطبقات الهشة والشباب، عبر التأكيد على تعميم التغطية الصحية والتأمين الإجباري، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوفير فرص حقيقية للتكوين والتشغيل.
كما أن التركيز على تمكين الشباب من الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، يمثل نقطة قوة في الخطاب، تعكس إرادة ملكية واضحة في تحويل فئة الشباب من عبء إلى رافعة للتنمية، من خلال الاستثمار في مهاراتهم وتطلعاتهم.
رابعًا: البُعد البيئي – التزام مستمر بالتنمية المستدامة
رغم أن الخطاب لم يفرد حيزًا كبيرًا للبيئة، إلا أن مضامينه تحمل إشارات ضمنية إلى البعد البيئي للتنمية، خاصة عند الحديث عن العدالة المجالية وتنمية المناطق المهمشة والرفع من جودة العيش.
فسياسات الحماية الاجتماعية لا يمكن فصلها عن العدالة البيئية، كما أن جهود المغرب في مجال الطاقات المتجددة، وتدبير المياه، ومحاربة التصحر تُشكّل جزءًا من استراتيجية مستمرة في جعل المغرب نموذجًا إقليميًا في الاستدامة والابتكار الأخضر.
والتزام الملك بدعم التعاون جنوب-جنوب يشمل أيضًا مشاريع بيئية، خاصة في إفريقيا، ما يعزز صورة المغرب كشريك بيئي مسؤول.
خامسًا: سياسة اليد الممدودة تجاه الجزائر – دعوة صادقة لتجاوز الخلافات
من أقوى الرسائل التي حملها الخطاب، تجديد الدعوة إلى الجزائر لتجاوز الخلافات، وفتح صفحة جديدة مبنية على حسن الجوار والمصير المشترك.
الملك محمد السادس جدّد “التمسك الراسخ بسياسة اليد الممدودة”، مؤكدًا أن ما يجمع الشعبين المغربي والجزائري أكثر بكثير مما يفرقهما، من لغة ودين وتاريخ وجغرافيا وعلاقات إنسانية.
الخطاب اختار لهجة الوضوح والمصالحة، معتبرًا أن الوضع المؤسف الحالي لا يخدم لا المغرب ولا الجزائر، داعيًا إلى تجاوز منطق الشك والصراع، والانفتاح على مستقبل مشترك قائم على التعاون والتكامل.
وفي سياق هذه الدعوة، عاد الملك للتذكير بأهمية بعث اتحاد المغرب العربي، في زمن تشتد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والبيئية التي تتطلب تنسيقًا إقليميًا قويًا.
سادسًا: قضية الصحراء المغربية – زخم دولي متزايد
الخطاب الملكي لم يُغفل الإشارة إلى الدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، حيث انضمت دول وازنة كالمملكة المتحدة والبرتغال إلى قائمة المؤيدين للمقترح المغربي، الذي وصفه الملك بأنه الحل الوحيد الواقعي والتوافقي.
وقد أكد الملك أن المغرب متمسك بمقاربة سلمية وعقلانية لحل هذا النزاع، تحفظ كرامة الجميع وتؤسس لسلام دائم.
هذه الإشارات تُكرّس التحول العميق في مسار القضية الوطنية، من الدفاع إلى الهجوم الدبلوماسي النشيط، تحت قيادة ملكية رزينة.
خلاصة القول،إن خطاب العرش لسنة 2025 ليس خطابًا احتفاليًا فقط، بل هو وثيقة توجيهية ذات أبعاد استراتيجية متعددة.
اقتصاديًا، يرسم الخطاب مسارًا نحو عدالة اجتماعية وتنمية مندمجة.
قانونيًا، يؤكد على تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة.
اجتماعيًا، يُنصت لهموم المواطن البسيط وينحاز للفئات الهشة.
بيئيًا، يعكس التزامًا ضمنيًا بالاستدامة والعدالة المجالية.
وسياسيًا، يجدد الأمل في إحياء العلاقات مع الجزائر وبعث المشروع المغاربي.
إنه خطاب يؤسس لمرحلة جديدة، قوامها الوحدة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، والانفتاح الإقليمي، والالتزام بالمسؤولية التاريخية.