
إيقاعات العيطة تسدل الستار على مهرجان آسفي بروح الأصالة والتجديد
أسدل الستار على فعاليات الدورة الثالثة والعشرين من المهرجان الوطني لفن العيطة، بمدينة آسفي، في أجواء احتفالية جمعت بين العمق التراثي لهذا اللون الموسيقي الأصيل وتجليات التجديد الفني، عبر برمجة متنوّعة استمرت على مدى أربعة أيام.
وعرفت هذه الدورة، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، زخما ثقافيا وفنيًا لافتًا، جسدته سهرات موسيقية، وندوات فكرية، وورشات تكوينية، استهدفت إشعاع فن العيطة بوصفه مكونًا حيويًا من الهوية الموسيقية المغربية، وعاملاً واعدًا ضمن الصناعات الثقافية الوطنية.
احتضنت منصة “مدينة الثقافة والفنون” عروضًا غنائية مميزة، من بينها مشاركة الفنان نوح الكانوني ومجموعة “مجمع الأحباب”، حيث تفاعل الحضور مع مزيج إبداعي جمع بين العيطة التقليدية والإيقاعات الحديثة، ما أبرز قدرة هذا الفن على التأقلم مع الذوق المعاصر.
أما منصة “ساحة مولاي يوسف”، القلب النابض للمهرجان، فشهدت سهرة ختامية استثنائية تألق فيها الفنان سفيان المخلوفي، الذي قدم أداءً نابضًا بالحياة جمع بين العيطة الحصباوية والمرساوية، بلمسة صوتية أثارت إعجاب الجمهور.
وشهدت السهرة الختامية أيضًا حضورًا قويا للعيطة النسائية، من خلال الفنانتين سهام المسفيوية وإكرام العبدية، اللتين أضفيتا طابعًا شبابيًا وحيويًا على الأمسية، حيث تجاوب الجمهور مع أدائهما بحماس كبير.
واختتمت فعاليات اليوم الأخير بورشة تكوينية لفائدة الشباب، تمحورت حول “مهن الثقافة والفنون”، حيث أتيحت للمشاركين فرصة التعلّم المباشر من فنانين محترفين وأطر أكاديمية، ما يترجم التزام المهرجان بتكوين جيل جديد قادر على حمل مشعل العيطة.
من جهة أخرى، خُصصت إحدى الندوات الفكرية لموضوع “مسرحة العيطة”، بمشاركة باحثين وفنانين، وقد خلص النقاش إلى ضرورة التفكير في صيغ فنية جديدة تدمج هذا الفن في الفضاء المسرحي والسينمائي، بما يفتح أمامه آفاقًا أرحب للاستمرارية والانفتاح.
وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، اعتبر حسن الحبشي، المدير الإقليمي للثقافة بآسفي واليوسفية، أن هذه الدورة شكلت محطة مفصلية في تاريخ المهرجان، مشيرًا إلى توسيع فضاءات العروض بإضافة منصة ثانية، مما أتاح استقطاب جمهور أوسع، إلى جانب إشراك أسماء وازنة وفنانين شباب، في رهان جمع بين الحفاظ على الأصالة والانفتاح على التجديد.
وأكد الحبشي أن الرهان كان مزدوجًا: صون هوية المهرجان من جهة، وفتح فضاءات بديلة من جهة ثانية، بما يسمح لشرائح جديدة من الجمهور باكتشاف فن العيطة في أبعاده المتعددة.
تُوّج المهرجان، الذي نظمته وزارة الشباب والثقافة والتواصل بشراكة مع عمالة إقليم آسفي وجمعية أصدقاء “تور هيردال”، بنجاح جماهيري وإعلامي، ليكرّس نفسه كمنصة وطنية سنوية تحتفي بفن العيطة، وتمنحه ما يستحقه من مكانة في صلب النقاش الثقافي الوطني.
وبين نغمات العيطة الكلاسيكية وتجارب فنية جديدة، اختُتمت دورة هذه السنة بإجماع على أهمية الاستمرار في دعم هذا الفن، كرافعة ثقافية وهُوياتية، قادرة على التعبير عن عمق المجتمع المغربي وتطوره.