وجوه منسية في الأرصفة.. التشرد بالمغرب بين قسوة الواقع وفقر القانون

تعدّ ظاهرة التشرد من أبرز الإشكالات الاجتماعية التي باتت تثقل كاهل المجتمع المغربي، وتكشف عن جوانب متعددة من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، والاختلالات القانونية والبيئية المتراكمة. مشهد النساء والرجال والأطفال يفترشون الأرصفة ويتخذون من الساحات العامة والحدائق مأوى مؤقتًا، بات يتكرر يوميًا في معظم المدن المغربية، ويعكس خللًا حقيقيًا في تدبير الشأن الاجتماعي ورعاية الفئات الهشة. وفي غياب سياسة وطنية واضحة ومتجانسة، ظلت هذه الفئة منسية على هامش المجتمع، تتقاذفها شوارع الدار البيضاء، مراكش، مكناس، طنجة والرباط، وغيرها وسط نظرات عابرة وصمت رسمي.

تناقلت الصحافة الوطنية، في أكثر من مناسبة، صورًا صادمة وتفاصيل مأساوية من معاناة هؤلاء.فقد نشرت أنباء مراكش تقريرًا مؤلمًا عن العثور على مسن متشرد في حالة صحية حرجة بساحة جامع الفنا، ظل أيامًا بلا علاج ولا مأوى، قبل أن تتحرك السلطات تحت ضغط نداءات مواطنين.

وفي حادث مماثل وثقته هبة بريس، توفي شاب متشرد جراء موجة برد قاسية اجتاحت مكناس في دجنبر 2023، وهي الحادثة التي خلفت موجة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي.

أما الصحراء المغربية فقد خصصت تحقيقًا حول النساء المتشردات بطنجة، أغلبهن ضحايا عنف أسري واغتصاب، يعشن مع أطفال رضع وسط الشوارع وتحت الجسور، دون حماية أو مأوى، يعانين من ويلات التشرد في ظل غياب تدخل فعلي. وضمن وقائع أكثر مأساوية، اهتز حي البرنوصي بمدينة الدار البيضاء قبل يومين على فاجعة راح ضحيتها  امرأة  متشردة، أم لثلاثة اطفال، ورضيعها بعدما تعرضا لاعتداء مروع على يد نزيل بمؤسسة خيرية  بالحي،جريمة بشعة أثارت موجة استنكار واسعة وقد دخلت على الخط هئات حقوقية ، وكشفت عن هشاشة منظومة الحماية الاجتماعية وتردي أوضاع مراكز الإيواء، التي تحولت من ملاذ آمن إلى فضاءات للعنف والفوضى.

ورغم ما ينص عليه الفصل 31 من الدستور المغربي، الذي يقر بحق المواطنات والمواطنين في الحماية الاجتماعية والسكن اللائق والعلاج، إلا أن التشريع الوطني يفتقر إلى نصوص قانونية صريحة تعترف بوضعية الأشخاص في حالة تشرد وتنظم كيفية التكفل بهم. فباستثناء بعض الفصول المتفرقة من القانون الجنائي التي تجرم التسول (الفصل 326) أو احتلال الملك العمومي (الفصل 607)، لا يوجد إطار قانوني يحمي هذه الفئة أو يضمن لها حقوقًا إنسانية أساسية. وهو ما يجعل تدخلات السلطات موسمية ومرتبطة بموجات البرد أو حملات أمنية ظرفية أكثر من كونها سياسة اجتماعية متكاملة.

ويعكس المشهد خلفية اقتصادية مقلقة، إذ تسجل نسب بطالة مفرطة وسط الشباب تجاوزت 23% سنة 2024، مع اتساع معدلات الفقر، وغلاء معيشة خانق، وأزمة سكن متفاقمة. كل ذلك دفع بآلاف الأسر نحو حافة التشرد، وأفرغ جيوب الهامش إلى قلب الحواضر. ومع ضعف برامج الإدماج المهني والاجتماعي، ظلت الفئات الهشة بدون أفق واضح، يتكبدون قسوة الشارع في صمت.

اجتماعيًا، ترتبط الظاهرة أيضًا بالتفكك الأسري، حيث تتسبب حالات الطلاق، العنف الأسري، وفاة أحد الوالدين أو الإدمان، في إخراج أفراد قسرًا من دائرة الأسرة إلى الشارع. كما تسهم الهجرة القروية المتواصلة إلى المدن الكبرى، أمام محدودية فرص العمل والسكن، في تغذية الظاهرة. وسجلت تقارير جمعوية وحقوقية مؤخرًا تزايدًا مقلقًا في عدد الأطفال والنساء في وضعية تشرد، وهي الفئة الأكثر هشاشة واستهدافًا. فواقعة قتل المرأة المتشردة ورضيعها داخل مؤسسة اجتماعية لم تكن حادثًا عرضيًا، بل انعكاسًا لمنظومة حماية مفككة تفتقر إلى أدنى معايير الأمن والرعاية الإنسانية.

في الجانب البيئي، أفرز التشرد انعكاسات صارخة على المشهد الحضري، من تراكم النفايات وتشويه المنظر العام إلى خلق بؤر تلوث، خصوصًا في أماكن تجمع المشردين تحت الجسور والساحات العمومية. غياب مرافق صحية أو أماكن استقبال مهيأة، يجعل من هذه التجمعات مصدرًا للأمراض والمخاطر البيئية التي لا تهددهم وحدهم، بل تطال الساكنة والمجال العام.

كل هذه المعطيات تجعل من ظاهرة التشرد أزمة معقدة ذات أبعاد متشابكة، لا يمكن معالجتها بحلول موسمية أو ظرفية. والمغرب اليوم في أمسّ الحاجة إلى قانون إطار خاص بحماية الأشخاص في وضعية تشرد، يحدد وضعهم القانوني، آليات التكفل، والبرامج الوقائية والإدماجية. كما أن الوضع يتطلب تعزيز العرض السكني الاجتماعي، وتوفير مراكز إيواء آمنة ومجهزة بمرافق إنسانية، وتفعيل برامج للدعم النفسي والإدماج الاقتصادي، مع تقنين العمل الجمعوي الميداني وضمان موارد مستدامة له. ولا يمكن لأي سياسة أن تنجح دون تنسيق فعلي بين القطاعات الوزارية والجماعات الترابية والمصالح الاجتماعية والصحية، وبشراكة متينة مع المجتمع المدني ووسائل الإعلام الوطنية.

وختاما، إن استمرار تهميش هذه الوجوه المجهولة يعني ترك جراح اجتماعية واقتصادية مفتوحة ستنزف طويلًا. ووجوه الأرصفة التي تتداولها الصحف والمواقع من حين لآخر، ليست صورًا عابرة، بل شواهد حيّة على قصورنا الجماعي، وقصص حياة تستحق إنصاتًا حقيقيًا وحماية حازمة وإدماجًا لائقًا.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.