
أفاية: البابا فرنسيس خلخل الكنيسة والفن خلاص إنساني من قهر العالم
قال المفكر والأكاديمي المغربي محمد نور الدين أفاية إن البابا فرنسيس يُعدّ “أعظم بابا عرفته الكنيسة الكاثوليكية عبر تاريخها”، مشيدًا بشجاعته وقدرته على الإصغاء للفقراء والمستضعفين في العالم. واعتبر أن كونه أرجنتيني الأصل يشكّل حدثًا استثنائيًا، لكونها المرة الأولى التي تتحرر فيها الكنيسة من عقدتها الأوروبية، مضيفًا: “انفتاح الكنيسة على بابا من خارج القارة العجوز لم يكن أمرًا سهلاً، ولما تحقق أحدث تحولات في ثوابت راسخة داخل الكنيسة”.
وجاءت شهادة أفاية خلال ندوة فكرية بعنوان “الجماليات ومأزق العالم”، احتضنها المعرض الدولي للنشر والكتاب في دورته الثلاثين، يوم الجمعة، قبل ساعات من بداية مراسيم جنازة البابا.
وأوضح أفاية أن الكنيسة مؤسسة عريقة مثقلة بعاداتها، وتقاليدها، وذاكرتها التاريخية، ما يجعل إحداث تغييرات بداخلها مهمة شاقة. لكنه شدّد على أن البابا فرنسيس تميز بمواقف جريئة وشجاعة، ويمثل رمزًا روحيًا للمسيحيين في العالم، وأثرًا أخلاقيًا يتجاوز البعد الديني.
وفي سياق حديثه عن التحولات العالمية، تطرق المفكر المغربي إلى ظاهرة الكراهية، واصفًا إياها بأنها “مقابل ضدّي للحب”، ومؤكدًا أنها ليست غريبة عن الطبيعة البشرية ولا عن مسار التاريخ. وأشار إلى أن الجيوش، رغم دورها العنيف، كانت دائمًا حاضرة في صناعة الحضارات، غير أن هذا الجانب من التاريخ غالبًا ما يُغفل.
وأضاف أفاية: “نحن نعيش اليوم في عالم مرتبك، تتزاحم فيه مشاهد القتل والموت التي تستفز إنسانيتنا، ومع ذلك يظل الفن وسيلة خلاص رمزي”. واعتبر أن الإنسان موزّع دائمًا بين مبدأ الواقع، بما فيه من قهر واستلاب، وبين مبدأ الرغبة، موضحًا أن الواقع يفرض قوى مهيمنة بأشكال مادية ورمزية، لها أثرها العميق على النفس البشرية.
وتابع قائلاً: “رغم كل هذا، يظل الفن فضاءً للخلاص والتمسك بإنسانيتنا، فهو يتجاوز مجرد وظيفة التسلية، ليصبح أفقًا طوباويًا يحرك خيال الإنسان، ويفجر إحساسه بالحرية. الفن عندي هو لعب جدي، كما وصفه كانط، واللعب ذاته يحتاج إلى جدية ليصير إبداعًا محترفًا”.
وأكّد أفاية في ختام مداخلته على أهمية الدفاع عن منظومة حقوق الإنسان باعتبارها قيَمًا كونية لا غنى عنها، مشيرًا إلى أن اللقاءات الثقافية مثل المعرض الدولي للنشر والكتاب، رغم ما قد يشوبها من سلبيات، تبقى لحظات جميلة نكسر بها رتابة العزلة والانغماس المفرط في عوالم التواصل الرقمي.
وختم بالقول: “الفن والإبداع أفق إنساني راقٍ يجب علينا حمايته، والاحتفاء بالفنانين والمبدعين الذين يضيئون عتمة هذا العالم”.