
التصريح في CNSS بين فقدان الدعم وأزمة التشغيل
في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، برز الدعم الاجتماعي كآلية أساسية لتحسين أوضاع الفئات الهشة وتعزيز قدرتها الشرائية. غير أن هذا الدعم، رغم أهميته، بدأ يطرح إشكالات واقعية في سوق الشغل، خاصة في القطاعات التي تعتمد على اليد العاملة اليومية والموسمية، كما هو الحال في جهة سوس ماسة التي تعد من أبرز المناطق الفلاحية والصناعية بالمملكة.
فبحسب عدد من المهنيين، أصبح من الصعب استقطاب اليد العاملة مقارنة بالسنوات الماضية، حيث يفضل بعض العمال الاكتفاء بمبلغ الدعم الاجتماعي بدل الالتحاق بالعمل اليومي. ويزداد الأمر تعقيداً حين يشترط بعضهم، مقابل العمل، عدم التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خوفاً من فقدان حقهم في الاستفادة من الدعم، وهو ما يضع المشغلين أمام معادلة صعبة بين احترام القانون والحفاظ على استمرارية الإنتاج.
وفي تصريح لأحد العمال الموسميين بالمنطقة، أوضح أن الخوف من فقدان الدعم هو السبب الرئيسي وراء رفض التصريح، قائلاً:
“الدعم كيساعدنا باش نغطيو بعض المصاريف اليومية، وإذا تصرحنا فالضمان الاجتماعي ممكن يتحيد لينا، وهاد الشي كيخلينا نفضلو نخدمو بلا تصريح باش نبقاو مستافدين على طول العام.”
في المقابل، يؤكد أحد المشغلين في القطاع الفلاحي أن هذا الوضع يخلق صعوبات حقيقية أمام المقاولات التي تحترم القانون، مضيفاً:
“نحن ملزمون بالتصريح بالعمال وأداء المستحقات القانونية، لكننا نجد صعوبة في إقناع بعض العمال بالعمل المصرح به، وهذا يضعنا في موقف صعب بين تطبيق القانون والحفاظ على استمرارية النشاط.”
هذا الواقع أدى إلى خلق منافسة غير متكافئة بين الشركات المهيكلة التي تصرح بعمالها وتلتزم بالقوانين، وبين الأنشطة غير المهيكلة التي تستقطب اليد العاملة بسهولة أكبر بسبب غياب التصريح والالتزامات القانونية. ومع مرور الوقت، أصبح هذا التفاوت ينعكس سلباً على المقاولات القانونية التي تتحمل تكاليف إضافية، في حين تستفيد القطاعات العشوائية من مرونة أكبر في التشغيل.
وحذر مهنيون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تراجع أداء عدد من الشركات، بل وربما إفلاس بعضها، خاصة في القطاعات الحيوية التي تعتمد على اليد العاملة بكثافة.
كما قد يدفع ذلك بعض العمال إلى التوجه نحو القطاع غير المهيكل، مما يفاقم من هشاشة التشغيل ويقلص من موارد الحماية الاجتماعية.
ويرى متتبعون أن الحل يكمن في إيجاد توازن بين استمرارية الدعم الاجتماعي وتشجيع العمل المصرح به، من خلال اعتماد صيغ مرنة تضمن عدم فقدان الدعم بشكل مفاجئ عند الالتحاق بالعمل، إلى جانب تشديد المراقبة على الأنشطة التي لا تصرح بعمالها.
وفي انتظار إيجاد حلول عملية، يبقى الرهان قائماً على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين حماية الفئات الهشة وضمان استمرارية المقاولات، حتى يظل الدعم الاجتماعي وسيلة للإدماج الاقتصادي لا سبباً في اتساع دائرة العمل غير المهيكل.