هندسة التراجع: كيف أدار ترامب لعبة التعريفات وأربك الحسابات الأوروبية؟

0

 

في مشهد يعكس تحوّل موازين القوة في السياسات التجارية العالمية، وجدت بروكسل نفسها في موقع دفاعي أمام حملة جمركية شرسة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أدت إلى تراجع تدريجي للموقف الأوروبي، وتفكك داخلي في صفوف الاتحاد، رغم أنه يمثل أكبر تكتل تجاري في العالم.

بدأت فصول هذه “اللعبة الخشنة” في أبريل، حين فرض ترامب رسومًا جمركية مفاجئة شاملة، وصفها بيوم “التحرير”، على الواردات من مختلف دول العالم. وسرعان ما أدى هذا الإجراء إلى اضطراب الأسواق وخوف المستثمرين من شبح ركود أميركي. تراجع ترامب آنذاك وخفّض الرسوم مؤقتًا إلى 10%، لكنه كان قد رسم ملامح الهجوم التجاري بوضوح.

وفي خطوة مفاجئة، علّق الاتحاد الأوروبي في اليوم التالي الرسوم الانتقامية التي كان يستعد لفرضها، وقبل الدخول في مفاوضات غير متكافئة تحت ضغط التعريفة الأميركية المؤقتة. هذه الخطوة مثلت بداية ما وصفته صحيفة فايننشال تايمز بـ”رحلة الاستسلام” التدريجي أمام ترامب، الذي أظهر قدرة تكتيكية على شق الصف الأوروبي.

فيما انضمت دول مثل الصين وكندا إلى المواجهة من خلال إجراءات انتقامية، فضّل الاتحاد الأوروبي الحلول الوسط، بسبب الخلافات الداخلية بين أعضائه، خصوصًا بين الدول الصناعية الكبرى والدول الشرقية التي تعتمد بدرجة أكبر على المظلة الأمنية الأميركية.

ومع تقدم المفاوضات، تم التوصل إلى اتفاق أولي في منتجع “تيرنبيري” بفرض تعريفة أميركية بنسبة 15% على السيارات الأوروبية، مقابل نظام حصص على الصلب، فيما اعتُبر تراجعًا كبيرًا في موقف الاتحاد.

حسب مصادر دبلوماسية، كان بوسع الاتحاد الأوروبي أن يحصل على صفقة أفضل لو تحرك بسرعة وبشكل موحّد، بدلًا من الرهان على تهدئة ترامب. وعلّق أحد المسؤولين الأوروبيين السابقين بالقول: “لقد تصرفنا كأننا خائفون من المتنمر، بدلاً من أن نواجهه جماعيًا”.

في الأشهر التالية، ترددت المفوضية الأوروبية بين التهديد بفرض رسوم انتقامية قيمتها 93 مليار يورو، والبحث عن تسوية تُرضي الدول الأكثر تضررًا من أي تصعيد. وفي الوقت الذي وقّعت فيه بريطانيا اتفاقًا مع واشنطن يقبل بتعريفة 10%، وجدت دول مثل ألمانيا وإيطاليا نفسها تحت ضغط داخلي متزايد للقبول بشروط مشابهة.

رغم الجهود الكبيرة التي قادها مفاوضون مخضرمون مثل سابين وياند وماروش شيفكوفيتش، لم يستطع الاتحاد فرض رؤية موحدة أو موقف هجومي. وبقيت مخاوف الدول من تهديدات ترامب — سواء الاقتصادية أو الأمنية — عاملًا حاسمًا في كل قرار.

حتى “بازوكا التجارة” التي طُورت بعد ولاية ترامب الأولى — كأداة لمواجهة الإكراه الاقتصادي — لم تجد إجماعًا على استخدامها، مما عمّق الانقسامات داخل المفوضية وأضعف الموقف التفاوضي.

في النهاية، ظهر أن ترامب لم يكتف بفرض تعريفاته، بل استطاع توظيفها كأداة لإعادة تشكيل علاقة الولايات المتحدة بأوروبا على أسس تجارية جديدة، تضمن مصالحه وتضع الاتحاد الأوروبي في موقف دفاعي دائم.

الرسالة كانت واضحة: من لا يلعب بشروط ترامب، يخرج من اللعبة أو يُشنق اقتصاديًا منفردًا.

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.