هل انتهت تداعيات أزمة سبتة على العلاقات المغربية الإسبانية؟

0

عادت الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة نهاية يوليوز الماضي العلاقات المغربية الإسبانية إلى دائرة التوتر السياسي، بعدما أثارت موجة الهجرة الجماعية نحو المدينة نقاشاً واسعاً داخل إسبانيا، تجاوز الأبعاد الأمنية ليصبح موضوعاً للتجاذبات الحزبية، وسط تساؤلات بشأن تأثير هذه التطورات على مستقبل التعاون بين البلدين.

وفي قراءة لهذه المستجدات، اعتبر محمد بنطلحة الدكالي، أستاذ علم السياسة بجامعة القاضي عياض، أن الأزمة تحولت من ملف مرتبط بالهجرة وتحديد المسؤوليات إلى ورقة في الصراع السياسي الداخلي الإسباني، قبل أن تمتد تداعياتها إلى البرلمان والمؤسسات الأوروبية والعلاقات الرسمية بين الرباط ومدريد.

وأوضح بنطلحة الدكالي، في تصريح لموقع «الأيام 24»، أن تصاعد الخطاب السياسي تجاه المغرب يعكس، في جانب منه، تأثير المزايدات الحزبية والحسابات الداخلية، محذراً من أن إخضاع العلاقات الخارجية لهذه الاعتبارات قد يضر بالمصالح الاستراتيجية المشتركة.

المصالح المشتركة تحد من تداعيات التوتر
على الرغم من حدة النقاش السياسي الذي رافق أحداث سبتة، فإن العلاقات المغربية الإسبانية تستند إلى شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية التي تجعل استمرار التعاون بين الطرفين ضرورة استراتيجية.

فقد راكم البلدان، على مدى عقود، علاقات متشعبة تشمل المبادلات التجارية والاستثمارات والتنسيق الأمني وتدبير الهجرة، ما يجعل أي توتر بينهما ذا انعكاسات تتجاوز حدود الخلاف السياسي الظرفي.

وتحتل إسبانيا مكانة مهمة ضمن الشركاء الاقتصاديين للمغرب، وهو ما يعزز الحاجة إلى الحفاظ على قنوات التواصل والحوار، وتجنب اتخاذ مواقف قد تؤثر على المصالح المتبادلة أو تعرقل المشاريع المشتركة.

وفي هذا السياق، استحضر بنطلحة الدكالي الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022، معتبراً أن المسار الذي أطلقه أظهر إمكانية تطوير العلاقات الثنائية عندما تقوم على الثقة والحوار والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
الاستقطاب السياسي يهدد استقرار العلاقات.

وسلط أستاذ علم السياسة الضوء على التحديات التي تواجه المشهد السياسي الإسباني، خصوصاً تنامي الاستقطاب والشعبوية والمزايدات الحزبية، وهي عوامل قد تؤثر على طريقة تدبير الملفات الحساسة المرتبطة بالعلاقات الخارجية.

وأشار إلى أن إسبانيا، التي واجهت خلال مرحلة انتقالها الديمقراطي محاولة الانقلاب في 23 فبراير 1981، تعيش اليوم تحديات مختلفة تتطلب من الفاعلين السياسيين التحلي بالمسؤولية وتجنب تغليب الحسابات الانتخابية على المصالح بعيدة المدى.

ويرى بنطلحة الدكالي أن الحكومات والأغلبيات البرلمانية تتغير، لكن الجغرافيا والمصالح المشتركة تظلان ثابتتين، وهو ما يفرض على البلدين التعامل مع الخلافات بمنطق واقعي يحول دون انتقالها إلى قطيعة دبلوماسية أو تراجع عن المكتسبات التي تحققت في السنوات الماضية.
المغرب يدفع نحو شراكة قائمة على الندية.

وفي ما يتعلق بمستقبل العلاقات الثنائية، أكد بنطلحة الدكالي أن موازين القوى على المستويين الثنائي والإقليمي تعرف تحولات متواصلة، مشدداً على أن المغرب لم يعد يقبل بالمقاربات التقليدية التي لا تراعي التحولات التي شهدها موقعه الإقليمي ومصالحه الاستراتيجية.

واعتبر أن الدبلوماسية الإسبانية مطالبة باستيعاب هذه المتغيرات والتعامل معها بحكمة وواقعية، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة، والعمل على تعزيز شراكة متوازنة تقوم على الندية والاحترام المتبادل والتكامل الفعلي.
وأضاف أن المرحلة الراهنة تستدعي الانتقال من تدبير الأزمات الظرفية إلى بناء رؤية مشتركة للمستقبل، بما يسمح بتعزيز التعاون بين البلدين والاستفادة من الإمكانات الاقتصادية والأمنية التي يتيحها موقعهما الجغرافي.

هل تجاوز البلدان فعلاً أزمة سبتة؟
رغم استمرار المصالح المشتركة بين المغرب وإسبانيا، فإن تجاوز التداعيات السياسية لأزمة سبتة يظل مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على احتواء الخلافات ومنع توظيفها في الصراعات الداخلية.

فاستقرار العلاقات لا يتحقق بمجرد استمرار المبادلات الاقتصادية أو التنسيق الأمني، بل يحتاج أيضاً إلى خطاب سياسي مسؤول، واحترام متبادل، وآليات فعالة للحوار عند ظهور الأزمات.

وبين ضغوط السياسة الداخلية الإسبانية ومتطلبات الشراكة الاستراتيجية، يبقى التحدي الأساسي أمام الرباط ومدريد هو تحويل الجوار الجغرافي إلى فرصة للتعاون المستدام، بما يخدم مصالح البلدين ويعزز الاستقرار والتكامل بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.