مهدي أغويركات يستعرض رحلة ابن خلدون الفكرية والسياسية

0

الرباط – قدّم الباحث مهدي أغويركات، أستاذ جامعة بوردو-مونتين في فرنسا، يوم الأربعاء محاضرة بالمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، سلط فيها الضوء على كتابه الأخير “ابن خلدون.. مسارات مفكر مغاربي”، مستعرضًا فيه رحلة هذا المفكر الكبير بين الفكر والسياسة، ورصد أثر تجربته الشخصية على تشكيل رؤيته العلمية.

وأشار أغويركات إلى أن فكر ابن خلدون لم ينبع من مجرد تأمل نظري، بل هو ثمرة واقع مليء بالأزمات البنيوية التي عرفها العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر، فضلاً عن تجاربه ومحنه الشخصية التي شكلت الأرضية الحقيقية لنظرياته، خصوصًا في مجال علم الاجتماع البشري.

ولفت الباحث إلى أن وباء الطاعون الأسود شكّل منعطفًا حاسمًا في حياة ابن خلدون، إذ أدى فقدان العديد من أفراد أسرته ومعلميه إلى شعور عميق بانتهاء دورة حضارية كاملة، ما دفعه إلى مساءلة الفكر التقليدي، وإرساء ما عرف بـ”علم العمران” لفهم قوانين الظواهر الاجتماعية والديمغرافية.

وأوضح أغويركات أن مفهوم “العمران” عند ابن خلدون مرتبط بكثافة السكان والاستقرار، وهو يختلف عن فلسفة الغرب في اعتماده على الملاحظة الميدانية الدقيقة لما أسماه “تقنيات الجسد” مثل الأكل والجلوس وربطها مباشرة بالسلوك الاجتماعي. كما أشاد الباحث بتقسيم ابن خلدون للوجود البشري إلى عالمي “البداوة” و”العمران”، مشيرًا إلى أن البداوة ليست مجرد تنقل، بل مجتمع قائم على “العصبية” أو التضامن القبلي، نموذج للقوة والتحمل ينشأ من قسوة البيئة وحياة التقشف.

وسلط أغويركات الضوء على تجربة ابن خلدون في السفر والتنقل بين أطراف العالم الإسلامي، ما أكسبه “بصيرة مقارنة” ساعدته على إدراك التزامن في الأحداث السياسية، ومكنه من استخلاص أن التاريخ يسير وفق دورات متكررة لا العشوائية.

وأضاف الباحث أن الأصول الاجتماعية لابن خلدون، المنحدرة من نخبة إشبيلية، كانت عاملاً أساسيًا في تكوينه، إذ أتاح له هذا الانتماء الاحتكاك بالمراكز السياسية واكتساب مهارات مكنته من الجمع بين النشاط السياسي والتحليل الفكري العميق.
وأكد أغويركات أن قوة تحليلات ابن خلدون تكمن في منهجية عملية صقلها عبر سنوات من العمل الميداني في الدواوين ومفاوضة القبائل، ما أكسب نظرياته طابعًا واقعيًا وتطبيقياً، حيث حول محنه الشخصية والسياسية، من السجن إلى المنفى، إلى قوة فلسفية ساعدته على صياغة قوانين للتاريخ تتكرر عبر العصور، مؤسسًا علمًا اجتماعيًا يلمس جوهر التاريخ وتحولاته.

ويشار إلى أن مهدي أغويركات يشغل أيضًا منصب أستاذ مشارك بكلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بالرباط، وهو متخصص في تاريخ المغرب والأندلس خلال العصور الوسطى والحديثة، وصدر له عدة مؤلفات ومقالات دولية، من بينها هذا الكتاب الذي نال جائزة أفضل سيرة أدبية من الأكاديمية الفرنسية سنة 2025.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.