
من الأمازيغية إلى الأمثال العربية.. إصدار جديد يوثق غنى التراث المغربي ويقارن امتداداته
يعود التراث الشعبي المغربي إلى الواجهة من خلال مؤلف جديد للكاتبة حميدة الصائغ الجراري، الذي يجمع بين الألغاز والأمثال المغربية، مع مقارنتها بنظيراتها في العالم العربي، في محاولة لإحياء ذاكرة ثقافية غنية ومتنوعة.
الكتاب، الصادر عن “منشورات النادي الجراري”، يأتي تخليداً لذكرى عباس الجراري، أحد أبرز أعلام الأدب المغربي، ويشكل امتداداً لمشروع ثقافي كان يجمعه مع رفيقة دربه.
ألغاز من الذاكرة الشعبية
في شقه الأول، يقدم المؤلف مجموعة واسعة من الأحاجي والألغاز المغربية، جُمعت أساساً من مصادر شفهية، تشمل روايات العائلة والمحيط الاجتماعي، ما يعكس عمق حضور هذا الفن في الحياة اليومية للمغاربة.
وتتنوع هذه الألغاز بين مجالات متعددة، من الحياة الاجتماعية والدينية إلى الطبيعة والمهن، لتؤكد أن هذا اللون الأدبي لم يكن مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة للتفكير وتنمية الذكاء الجماعي.
كما يبرز الكتاب تعدد تسميات هذا الفن بين الثقافات، من “الحزاير” في لبنان إلى “الفوازير” في مصر، وصولاً إلى “تميطرات” في الثقافة الأمازيغية، في دلالة على عالمية هذا التراث.
أمثال مغربية بامتداد عربي
أما في شقه الثاني، فيتجه الكتاب إلى مقارنة الأمثال الشعبية المغربية بنظيراتها في دول عربية أخرى، مبرزاً التشابه في المعاني رغم اختلاف الصياغات.
فعلى سبيل المثال، يقابل المثل المغربي “القفة بزوج ودنين تيرفدوها اثنين” نظيره المصري “القفة أم إيدين بيشلوها اثنين”، بينما تتقاطع أمثال أخرى مع تعبيرات خليجية وشامية وجزائرية، لتؤكد وحدة القيم الإنسانية المشتركة.
كما يقدم المؤلف شرحاً للأمثال الأمازيغية باللهجتين السوسية والريفية، مع ترجمتها إلى العربية والدارجة، ما يعزز فهمها لدى جمهور أوسع.
تنوع لغوي وثقافي
ويُبرز الكتاب غنى التعدد اللغوي بالمغرب، حيث يجمع بين العربية الفصحى والدارجة والأمازيغية، مع إدراج أمثال مكتوبة بالحرف العربي، إلى جانب تسجيلات صوتية رقمية تتيح الاستماع للنطق الأصلي.
وساهم في إعداد الملحقين الخاصين بالأمثال الأمازيغية كل من كريمة بنبوعزة وعمر أمرير، في خطوة تعكس العمل الجماعي لإغناء هذا المشروع الثقافي.
حفظ الذاكرة في زمن التحول
ويكتسي هذا الإصدار أهمية خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية، حيث يتراجع تداول هذا النوع من التراث الشفهي بين الأجيال الجديدة، ما يجعل توثيقه ضرورة ملحة للحفاظ على الهوية.
ويؤكد هذا العمل أن التراث المغربي، بتعدد روافده العربية والأمازيغية، لا يزال قادراً على الإسهام في الحوار الثقافي، وإبراز القيم المشتركة بين الشعوب.