
من أجل ثورة بيداغوجية .. تدريس الرياضيات بالإنجليزية كخيار استراتيجي للمستقبل
بصفتي أستاذًا لمادة الرياضيات بالإنجليزية وغيورًا على واقع التعليم في المغرب، أؤمن بأن تعميم تدريس المواد العلمية، وعلى رأسها الرياضيات، باللغة الإنجليزية هو رهان استراتيجي يتطلب منا التحرك بجدية. هذا التوجه لا يعد ترفًا لغويًا بل ضرورة تربوية وعلمية تفرضها التحولات العالمية في مجالات التكنولوجيا والعلوم.
أرتكز في رأيي على ثلاث دعائم أساسية لدعم هذا التوجه:
1. الارتباط العضوي بين الرياضيات والبرمجة: مع تسارع التحولات الرقمية، أصبحت البرمجة لغة العصر، والإنجليزية هي اللغة الأساسية التي تحتضن أدواتها. الرياضيات، باعتبارها البنية المنطقية للبرمجة، تكتسب فعالية مضاعفة عندما تدرس بلغة التكنولوجيا.
2. الجانب الممتع للرياضيات بالإنجليزية: من خلال تجربتي الشخصية، لاحظت أن التلاميذ يتفاعلون بحيوية أكبر مع المفاهيم الرياضية حين تقدم لهم بالإنجليزية. اللغة الإنجليزية توفر مصطلحات أكثر مرونة وسلاسة، مما يساعد على تبسيط المفاهيم وتجاوز الجمود اللغوي الذي قد يصاحب بعض الترجمات.
3. انجذاب الجيل الصاعد للإنجليزية: الشباب المغربي يولي اهتمامًا متزايدًا للغة الإنجليزية، سواء عبر الموسيقى أو الألعاب أو المحتوى الرقمي. وهذا الانجذاب يمثل فرصة كبيرة للاستثمار في تدريس الرياضيات بلغة محببة لديهم، مما يسهل تعلم المفاهيم الرياضية.
إلى جانب هذه الأسباب، هناك مرتكزات إضافية تبرر هذا التوجه:
الوصول إلى مصادر المعرفة الحديثة: العديد من الأبحاث والدروس المفتوحة (MOOCs) في الرياضيات منشورة باللغة الإنجليزية، مما يسهل على المتعلمين الاطلاع على أحدث المعارف العالمية دون حاجز لغوي.
تعزيز فرص التلاميذ في الدراسات العليا: الطلاب الذين يتقنون الرياضيات بالإنجليزية يكونون أكثر استعدادًا للالتحاق بالجامعات العالمية والمشاركة في برامج التبادل والمنح الدراسية الدولية.
تهيئة للاندماج المهني في السوق العالمية: الاقتصاد الرقمي يتطلب كفاءات تجمع بين المنطق الرياضي والطلاقة في اللغة الإنجليزية، ما يفتح أمام الطلاب فرصًا مهنية على الصعيدين المحلي والدولي.
لا بد من الإشارة هنا إلى تجربة مغربية رائدة أثبتت أن هذا التوجه ليس بعيدًا عن واقعنا. إنها تجربة “آنكلوسكول”، التي بدأت داخل النظام التربوي المغربي ونجحت في تدريس المضامين العلمية باللغة الإنجليزية، وتعتبر نموذجًا ناجحًا يعتمد على الأطر المغربية. شخصيًا، كان لي شرف المشاركة في تأليف مقررات الرياضيات بالإنجليزية بإسم “Igider”، وهو اسم أمازيغي يعني “النسر”، مما يمثل خطوة عملية نحو تحقيق هذا الطموح اللغوي والتربوي.
الانتقال إلى تدريس الرياضيات بالإنجليزية لا يعني القطيعة مع لغتنا الوطنية، بل هو تنويع في الأدوات التعبيرية ورافعة للتميز الأكاديمي. إنه مشروع استثماري في الإنسان المغربي ومستقبله العلمي والمعرفي، مما يعزز من مكانته في عالم سريع التحول نحو المعرفة والتكنولوجيا.