
ضعف التكوين السياسي يهدد الديمقراطية ويُقوّض تدبير المشاريع الكبرى
لقد خضنا مسارًا طويلاً ومليئًا بالتعثرات في طريقنا نحو بناء مدرسة ديمقراطية حقيقية. حاولنا أن نتعلم تدريجيًا من تجارب مختلف مستويات العمل السياسي، بدءًا من الجمعيات المحلية، مرورًا بالمقاطعات والمجالس الجماعية والجهوية، وصولًا إلى البرلمان. فهذه المؤسسات تُعد بمثابة “أسلاك تكوين” ضرورية لكل من يطمح إلى خوض غمار الديمقراطية. إذ لا يمكن الحديث عن ديمقراطية فعلية دون ممارسة سياسية مسؤولة، كما لا يمكن ممارسة السياسة بشكل جاد دون تأطير ديمقراطي حقيقي، يقوم على تكوين سياسيين داخل معاهد حزبية جادة، وليس فقط واجهات بأسماء رنانة وشعارات براقة، تمول في كثير من الأحيان من أموال دافعي الضرائب.
ومنذ انطلاق عمل المجالس المنتخبة الحالية، دعونا مرارًا إلى ضرورة إخضاع المرشحين لمناصب المسؤولية الانتخابية إلى مساطر تكوينية إلزامية، تؤهلهم للتعامل مع سلطاتهم الجديدة، بما يتماشى مع روح الديمقراطية ومبادئها، ويفهموا من خلالها أدوارهم السياسية والمجتمعية. أما الجوانب الإدارية، فهي من اختصاص موظفين إداريين مهنيين، اجتازوا اختبارات صارمة، ومروا عبر مراحل تقييم دقيق، تشمل الكفاءة والسلوك، لضمان جاهزيتهم لخدمة المواطنين بكفاءة وفعالية. هؤلاء الإداريون هم من يتكلف بتنفيذ قرارات المجالس المحلية والجهوية، والاشتغال بتنسيق مع المنتخبين الذين يُفترض فيهم أن يكونوا على دراية بمهامهم وأدوارهم السياسية والتواصلية.
لكن، للأسف، كثير من المنتخبين يفتقرون إلى الحد الأدنى من الكفاءة، ليس فقط بسبب ضعف التكوين، بل نتيجة تقاعس الأحزاب عن أداء دورها التربوي والسياسي في إعداد مرشحيها. فالأحزاب اليوم، في غالبيتها، ما تزال رهينة “تقاليد” عتيقة لا تواكب تحولات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، الذي أصبح يفرض كفاءة عالية، ويتيح مساءلة دقيقة لكل من يدعي القدرة على خدمة المواطنين وتمثيلهم.
وفي ظل هذا السياق، نجد أنفسنا أمام مفارقة صارخة: في الوقت الذي تُحقق فيه العاصمة قفزات نوعية في البنية التحتية والمشاريع الملكية الكبرى، لا تزال تعاني من ضعف في التأطير السياسي لمن يُفترض فيهم قيادة هذا التحول. لذا، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى سن قانون خاص يحصن هذه المشاريع ويضعها في منأى عن العبث أو التسيير العشوائي، ويفرض معايير صارمة على كل من يتقدم لتدبير شؤون المدينة.
فالرباط، التي انتقلت خلال سنوات قليلة من التهميش إلى مصاف العواصم العالمية، تستحق نخبة سياسية مؤهلة، قادرة على مواكبة طموحاتها، وإدارة مكتسباتها بكل مسؤولية وشفافية.