
سجلماسة تنهض من تحت الرمال: تنقيبات أثرية مغربية تعيد رسم تاريخ المدينة العريقة
تعيش مدينة الريصاني، بجهة درعة تافيلالت، على وقع اكتشافات أثرية استثنائية تُعيد إلى الأذهان أمجاد سجلماسة، العاصمة التجارية والحضارية التي ازدهرت لأزيد من عشرة قرون قبل أن تطمرها الرمال.
ففي إطار أوسع عمليات تنقيب يشهدها موقع سجلماسة منذ انطلاق الأبحاث به في سبعينيات القرن الماضي، يشرف فريق مغربي بالكامل تابع للمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، بقيادة عالم الآثار لحسن تاوشيخت، ولاحقا أسماء القاسمي، على حملات ميدانية كشفت عن معالم أثرية غير مسبوقة.
وأوضح المعهد، في حصيلة رسمية، أن هذه الاكتشافات شملت مباني دينية وسكنية، وفضاءات جنائزية، وزخارف فنية دقيقة، إضافة إلى أول دليل مادي يؤكد وجود دار سكة بمدينة سجلماسة. هذه النتائج اعتبرها المعهد “نقلة نوعية” في إعادة تركيب المشهد التاريخي والعمراني للمدينة.
واحدة من أبرز النتائج كانت الكشف عن أسس مجمّع ديني ضخم يتضمن مسجدا من العصر الوسيط تبلغ مساحته حوالي 2620 مترًا مربعًا، ويُعد أقدم مسجد مؤرخ تم العثور عليه بالمغرب. هذا المسجد، الذي استمر بناؤه وتطوره من عهد بني مدرار إلى الفترة العلوية، يروي تسلسلا معماريا يمتد من القرن الثامن حتى القرن الثامن عشر الميلادي.
ومن بين الاكتشافات اللافتة أيضًا، مجموعة من اللقى الجصية المنحوتة التي تعود إلى الفترة المدرارية، بزخارفها النباتية والهندسية والكتابية، والتي تشكّل أقدم شواهد الفن الإسلامي في المغرب. كما عُثر على مئات القطع الخشبية الملونة والمذهّبة المصنوعة من خشب الأرز، كانت ضمن مكونات المدرسة العلوية بسجلماسة، وتشهد على براعة الحرفيين خلال القرن الثامن عشر.
أما الحدث الفريد، فهو العثور على قالب خزفي لا تزال تجاويفه تحمل آثار الذهب، يُعتقد أنه كان يُستخدم في سك دنانير سجلماسة الشهيرة. ويُعد هذا أول دليل مادي من نوعه بالمغرب، وثاني دليل على مستوى إفريقيا بعد موقع تادمكة بمالي، ما يعزز أهمية المدينة كمركز اقتصادي ذي إشعاع قارّي.
الفرق الأثري المغربي أماط اللثام أيضا عن حي سكني كامل يعود إلى العصر العلوي، بُني فوق أنقاض صحن المسجد القديم، ويتكون من 12 منزلا ذات تصميم موحّد حول فناءات داخلية، عُثر بداخلها على أدوات تخزين وبقايا تمور ونباتات محلية، تعكس تفاصيل الحياة اليومية ونمط العيش في البيئة شبه الصحراوية.
هذه الاكتشافات، التي تمتد على مساحة تناهز 9000 متر مربع، تفتح آفاقًا جديدة لفهم بدايات الدولة العلوية الشريفة من منظور مادي مباشر، وتُعيد الاعتبار إلى سجلماسة كحاضرة عمرانية وروحية أساسية في تاريخ المغرب.
لأول مرة، تصبح النصوص التاريخية التي طالما روت سيرة سجلماسة مدعومة بأدلة مادية ملموسة، تُظهر مدينة حقيقية بزواياها وأزقتها ومساجدها وورشاتها. هي سجلماسة، التي دفنتها الرمال لقرون، تعود اليوم لتُدوّن فصلًا جديدًا من تاريخ المغرب الحضاري والإفريقي المشترك.