
رحيل عبد الغني أبو العزم.. ذاكرة اللغة المغربية تفقد أحد حراسها الكبار
برحيل عبد الغني أبو العزم، اليوم الأربعاء 18 مارس 2026، يفقد المشهد الثقافي المغربي واحداً من أبرز أعلامه الذين نذروا حياتهم لخدمة اللغة العربية، ليس باعتبارها أداة تواصل فحسب، بل كقضية فكرية ومشروع حضاري متكامل.
لم يكن أبو العزم مجرد أستاذ جامعي أو معجمي تقليدي، بل كان صوتاً علمياً وثقافياً جمع بين صرامة البحث وجرأة السؤال، حيث جعل من الاشتغال على اللغة مدخلاً لفهم التحولات المجتمعية ومواكبة تحديات العصر. وعلى امتداد مساره، ظل وفياً لفكرة أن اللغة كائن حي، يتطور ويحتاج إلى تحديث مستمر في أدواته ومناهجه.
وُلد الراحل سنة 1941 بمدينة مراكش، في بيئة تقليدية مشبعة بروح العلم والمعرفة، حيث تشكل وعيه المبكر بأهمية اللغة العربية كحامل للهوية والانتماء. هذا الشغف قاده إلى مسار أكاديمي متميز، توّجه بالحصول على الماجستير من جامعة السوربون، قبل أن ينال دكتوراه الدولة من جامعة الحسن الثاني، ليبدأ بعدها رحلة طويلة في التدريس والبحث العلمي.
داخل الجامعة، لم يكتف بالتدريس، بل أسس لمسار علمي رصين من خلال إشرافه على وحدة البحث في علوم اللغة والمعجميات، التي تحولت إلى فضاء لإنتاج المعرفة وتكوين أجيال من الباحثين. كما كان حاضراً بقوة في الندوات العلمية داخل المغرب وخارجه، مدافعاً عن ضرورة تحديث الدرس المعجمي وربطه بتحولات الاستعمال اللغوي المعاصر.
ويظل مشروعه المعجمي أبرز ما خلفه، وعلى رأسه “معجم الغني الزاهر”، الذي صدر في أربعة مجلدات وشكّل محاولة علمية لإعادة تنظيم المادة اللغوية وفق رؤية حديثة تستجيب لحاجيات القارئ المعاصر. كما أصدر أعمالاً أخرى أسهمت في تطوير الدرس المعجمي، من قبيل “المعجم المدرسي” و”معجم تصريف الأفعال” و”المعجم اللغوي التاريخي”.
ولم يقتصر عطاؤه على المجال الأكاديمي، بل امتد إلى تحقيق التراث والترجمة، حيث اشتغل على نصوص فكرية وتاريخية مهمة، من بينها أعمال الباحث حاييم الزعفراني، ما يعكس انفتاحه على مختلف الحقول المعرفية.
كما بصم الراحل حضوره في المجال الإبداعي، من خلال رواياته مثل “الضريح” و”الضريح الآخر”، التي مزج فيها بين السيرة والتخييل، إضافة إلى أعماله السردية والشعرية التي عكست عمق تجربته الإنسانية والفكرية.
سياسياً، كان أبو العزم جزءاً من جيل الستينيات والسبعينيات، حيث انخرط في العمل النضالي ضمن حركة 23 مارس، قبل أن يواصل مساره داخل عدد من التنظيمات ذات التوجه الديمقراطي، محافظاً على نفس الروح الإصلاحية التي ميزت مساره الفكري.
ورغم تعدد اهتماماته، ظل خيط اللغة يجمع كل هذه المسارات؛ في الجامعة، في المعجم، في الرواية، وحتى في السياسة، كانت الكلمة أداته الأولى لفهم العالم والتأثير فيه.
اليوم، يغيب عبد الغني أبو العزم جسداً، لكن أثره العلمي والفكري يظل حاضراً في معاجمه، وفي كتاباته، وفي الأجيال التي تتلمذت على يديه. وبرحيله، تخسر الجامعة المغربية أحد أعمدتها، وتفقد الثقافة الوطنية واحداً من حراس لغتها في زمن التحولات.