تقرير:فشل المبعوثين الأمميين في حل نزاع الصحراء المغربية..غياب الحياد وضغوط سياسية تتصاعد

0

تتمثل مهمة المبعوث الأممي في مهمة دقيقة ومحددة تبدأ من لحظة تعيينه وحتى انتهاء مهمته، حيث يجب عليه تقديم تقرير شامل حول النتائج التي توصل إليها والنزاع الذي عمل على حله مع الأطراف المعنية. من أجل أن ينجح في مهمته، من الضروري أن يتسم المبعوث الأممي بالكفاءة العالية، والخبرة السياسية الواسعة، والقدرة على التفاوض وحل النزاعات بطرق سلمية. كما يجب أن يكون على دراية بالأزمات الدولية المختلفة وأن يكون ملمًا بكافة السوابق في حل المنازعات بين الدول، خاصة تلك المتعلقة بالحدود البرية أو البحرية أو انتهاك سيادة الدول على أراضيها.

من المهم أن يتوجه المبعوث الأممي فور تعيينه لدراسة الوضع التاريخي والدولي للصراع القائم بين الدولتين المتنازعتين. عليه أن يركز على جمع الوثائق والشهادات الرسمية التي تدعم كل طرف في ادعاءاته، وفهم كل وجهة نظر وأسباب النزاع، بالإضافة إلى تقديم الحلول السلمية التي تضمن عدم اللجوء إلى وسائل العنف أو الضغط من أجل حل النزاع، بحيث يتم الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.

خلال السنوات الماضية، تولت هيئة الأمم المتحدة مسؤولية تعيين عدد من المبعوثين الأمميين لمتابعة النزاع حول الصحراء المغربية، حيث تم تكليفهم بمحاولة إيجاد حل دبلوماسي دائم ونهائي لهذا النزاع. وقد تم تعيين عدة مبعوثين لهذه المهمة، من بينهم: جوهانس مانس، صاحب زادة يعقوب خان، إيريك جينسن، جيمس بيكر، بيتر فان فالسوم، كريستوفر روس، هورست كوهلر، وستيفان دي ميستورا. ولكن جميع هؤلاء المبعوثين فشلوا في مهماتهم، رغم ما كانوا يتمتعون به من خبرات دبلوماسية واسعة وكفاءات سياسية عالية، وعجزوا عن حل نزاع بسيط للغاية ينحصر في مسألة سيادة دولة قائمة منذ عدة قرون على أراضٍ متنازع عليها مع مجموعة مسلحة، تدعي أنها تمتلك عناصر الدولة، وتقيم في تلك الأراضي بدعم من الجمهورية الجزائرية.

عندما يتم سؤال عن أسباب فشل هؤلاء المبعوثين، فإن الإجابة لا تخلو من تساؤلات عديدة حول كيف لم يتمكن شخصيات دبلوماسية بارزة، ومشهود لهم بالكفاءة والحياد، من إيجاد حل لنزاع مفتعل. واحدة من أبرز التصريحات التي قد تفسر الفشل هي تصريح جيمس بيكر، أحد المبعوثين الأمميين، الذي أكد في وقت من الأوقات أن الحل مستحيل. ومن المثير للدهشة أن بيكر صرح بذلك رغم أنه يعلم جيدًا أنه لا وجود للمستحيل في السياسة، بل أن كل نزاع قابل للحل إذا توفرت الإرادة السياسية وكان هناك مبعوث نزيه يتمتع بالحياد التام.

الحديث عن فشل المبعوث الأممي الأخير، ستيفان دي ميستورا، يثير تساؤلات إضافية. فبعد تعيينه، لوحظ أنه لم يتسم بالحياد والنزاهة المطلوبة في معالجة الملف الصحراوي. وعلى سبيل المثال، زار دي ميستورا جنوب إفريقيا، وهو ما يعتبر خطوة مثيرة للجدل نظرًا لأن هذا البلد هو من الدول الداعمة للموقف الجزائري ضد المغرب في نزاع الصحراء. هذه الزيارة، التي يعتقد الكثيرون أنها كانت لأغراض سياسية تخدم مصالح الجزائر، تتناقض مع مبدأ الحياد الذي يجب أن يتحلى به المبعوث الأممي في مثل هذه النزاعات.

إن الزيارة إلى دولة غير معنية في النزاع مثل جنوب إفريقيا، التي تدعم خصوم المغرب، تثير التساؤلات حول مدى حيادية دي ميستورا في أدائه لمهامه. هذا التصرف قد يعكس تورطًا في تنفيذ أجندات خارج نطاق مهامه كوسيط محايد. ومن المؤكد أن هذه الخطوة قد أثرت بشكل سلبي على فرص الحل السلمي للنزاع وأدى إلى مزيد من التعقيد في المفاوضات.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التجربة طويلة الأمد في هذا النزاع تثبت أن الحل بسيط للغاية من الناحية القانونية. لا يحتاج الأمر إلى هذا الكم الهائل من الجهود والمفاوضات المعقدة والوقت الضائع، ولا إلى الأموال التي تم صرفها على هذا النزاع المفتعل. فالحل يكمن ببساطة في العودة إلى القوانين والمواثيق الدولية التي تنظم السيادة على الأراضي، واستخدام القواعد القانونية المعروفة عالميًا في جميع النزاعات حول السيادة.

على سبيل المثال، يمكن للمبعوث الأممي أن يطلب من المغرب تقديم الوثائق التي تثبت سيادته على الأقاليم الصحراوية، وهي الوثائق التي سبق أن قدمها للمحكمة الدولية، والتي بناءً عليها صدر حكم المحكمة الذي يؤكد أن “الصحراء لم تكن أرضًا خالية وإنما كانت تابعة للسيادة المغربية”. علاوة على ذلك، يمكن للمبعوث أن يطلب من فرنسا وإسبانيا تقديم الوثائق المتعلقة بوضعية الصحراء أثناء فرض الحماية على المغرب في عام 1912، ويطّلع على الخرائط التي توضح أن الصحراء كانت جزءًا من الإمبراطورية المغربية.

عندما تتم مقارنة الوثائق المقدمة من جميع الأطراف، من المؤكد أن سيادة المغرب على الصحراء ستتضح بجلاء، حيث ستظهر الوثائق أن المغرب كان يمارس سيادته على هذه الأراضي منذ قرون طويلة، وأن السكان في الصحراء كانوا مرتبطين بالدولة المغربية عبر البيعة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الجبهة الانفصالية لن تتمكن من تقديم أي وثائق قوية تثبت وجودها الشرعي على الأراضي المتنازع عليها.

في النهاية، الحل القانوني بسيط ويمكن تطبيقه بسهولة، ولكن فشل المبعوثين الأمميين في أداء مهامهم يعكس حقيقة أن هناك عوامل سياسية وعوامل خارجية قد تكون تدخلت في تعقيد هذا النزاع، ومن ثم أصبح يتطلب أكثر من مجرد الوساطة الأممية البسيطة.

ولعل المبعوث الأممي دي ميستورا قد أدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه بعد زيارته لجنوب إفريقيا، ونتيجة لذلك أصبح غائبًا عن الأنظار في الآونة الأخيرة. هذا التراجع ربما يكون نتيجة لزيادة تعقيد القضية بعد الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء من قبل عدة دول كفرنسا والولايات المتحدة، مما دفع مجلس الأمن إلى تجاوز تقريره ومواصلة معالجة القضية دون الانتظار للمبعوث الأممي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.