بنطلحة الدكالي: حين تتحول سبتة إلى اختبار لحرية التعبير في إسبانيا

0

يوجد ثلاثة من أشهر لاعبي كرة القدم، كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور وإبراهيما كوناتي، أنفسهم وسط جدل واسع في إسبانيا بسبب طريقة تعاملهم مع قميص طلب منهم ارتداؤه قبل مباراة ريال مدريد وإلتشي. حمل القميص عبارة «Todos somos Caballas»، أي «كلنا من سبتة»، في إشارة إلى سكان المدينة، ضمن حملة أطلقت للتضامن معهم عقب أزمة الهجرة الأخيرة.

اختار اللاعبون الثلاثة حجب العبارة جزئيا، بينما أظهرها بقية زملائهم، فتحولت الواقعة خلال ساعات إلى سجال تجاوز الملاعب ووصل إلى الحديث عن الوطنية و«الدفاع عن إسبانيا». وحدث ذلك في بلد يقدم نفسه باعتباره دولة ديمقراطية، ويضع حرية التعبير والحرية الأيديولوجية ضمن أسس نظامه الدستوري.

انطلقت الحملة من جمعية رجال الأعمال في فالنسيا، ثم انتقلت إلى عدد من مباريات الدوري الإسباني. وشارك فيها لاعبو ليفانتي أمام برشلونة، فيما لم يشارك لاعبو برشلونة في المبادرة.

وافق ريال مدريد بدوره على المشاركة قبل مباراته أمام إلتشي، لكن مبابي وفينيسيوس وكوناتي ارتدوا القميص بطريقة حجبت رسالته. وبعد اندلاع الجدل، أكد النادي احترام حرية لاعبيه واختلاف حساسياتهم الشخصية.

كان موقف النادي واضحا، لكن التعامل الإعلامي والسياسي مع الواقعة أخذ منحى آخر. ففي إذاعة COPE، إحدى أبرز الإذاعات الخاصة في إسبانيا، وصف الإعلامي والمذيع المعروف كارلوس هيريرا تصرف اللاعبين بأنه «سخيف»، فيما اعتبر باكو غونثاليث، الصحافي الرياضي ومقدم البرنامج الشهير «Tiempo de Juego» على الإذاعة نفسها، طريقة ارتداء القميص نوعا من عدم احترام المؤسسة.

وسرعان ما انتقل الجدل من البرامج الإعلامية إلى السياسة. فقد انتقدت إستر مونيوث، المتحدثة باسم الحزب الشعبي في مجلس النواب الإسباني، اللاعبين الثلاثة، وقالت إن المشهد أثار لديها «الخجل بالنيابة عنهم»، وطالبتهم بتفسير موقفهم، متسائلة عن سبب عدم رغبتهم في «الدفاع عن إسبانيا» وهم يلعبون في فريق إسباني.

كما صدرت انتقادات من شخصيات في حزب Vox اليميني، قبل أن تدخل على الخط مجموعة «Ultras Sur»، وهي مجموعة من المشجعين المتشددين لريال مدريد تربط في وسائل الإعلام باليمين المتطرف وممنوعة من دخول ملعب سانتياغو برنابيو منذ أكثر من عقد. وطالبت المجموعة مبابي وفينيسيوس وكوناتي بتقديم «اعتذار علني»، ووصفت تصرفهم بأنه «غير مقبول»، مؤكدة أن كل مشجع لريال مدريد و«كل إسباني» يشعر بالخجل من الصورة التي قدمها اللاعبون الثلاثة.

وشرح مبابي موقفه لاحقا لصحيفة AS، مؤكدا تضامنه مع سكان سبتة ومع الضحايا، وموسعا هذا التضامن ليشمل المهاجرين الذين فقدوا حياتهم أو يعيشون في ظروف صعبة. وعبر عن رفضه «ترتيب المعاناة» وإعطاء الأولوية لمعاناة على أخرى، كما أوضح أن ارتداء القميص جاء في إطار قرار اتخذته الأندية.

وانتقد خافيير تيباس، رئيس رابطة الدوري الإسباني لكرة القدم «La Liga»، موقف اللاعبين، ورفض اعتبار الحملة سياسية، مقدما إياها باعتبارها مبادرة للتضامن مع سكان سبتة. في المقابل، طالب دافيد أغانزو، رئيس رابطة لاعبي كرة القدم الإسبانية «AFE»، بإبلاغ اللاعبين مسبقا بطبيعة المبادرات التي يشاركون فيها وأسبابها، وقال في تعليقه على الواقعة إنهم ما داموا «يجبرون على ارتداء القميص» فمن الضروري أن يعرفوا لماذا يرتدونه.

ويكتسب حديث رئيس رابطة اللاعبين عن الإجبار أهمية خاصة، لأن التضامن يفترض الاختيار والاقتناع، فيما يؤدي إلزام الرياضي بحمل رسالة محددة ومساءلته عن طريقة إظهارها إلى تحميل مشاركته معنى يتجاوز التضامن الطوعي.

وهنا تصبح حرية اللاعبين في اختيار ما يعبرون عنه موضع اختبار، وتظهر المسافة بين المبادئ المعلنة والممارسة عندما يتعلق الأمر بموقف لا ينسجم مع المنتظر منهم.

وتتعامل قوانين كرة القدم بدورها بحذر مع إدخال الرسائل السياسية إلى الملاعب. فالقانون الرابع من قوانين اللعبة الصادرة عن المجلس الدولي لكرة القدم «IFAB» يمنع أن تحمل تجهيزات اللاعبين شعارات أو تصريحات أو صورا سياسية أو دينية أو شخصية. ويصعب في هذا السياق التوفيق بين مطالبة الرياضي بالابتعاد عن السياسة حين يعبر عن مواقفه الخاصة، ثم مطالبته بحمل رسالة اختارتها مؤسسات أخرى ومساءلته عندما لا يظهرها بالشكل المطلوب.

وسرعان ما وفر السجال الذي أثير حول موقف اللاعبين مادة جديدة لليمين المتطرف في فرنسا، الذي وجد في توضيحات مبابي فرصة لنقل القضية إلى سجاله السياسي حول الهجرة والهوية. فوصف جوليان أودول، النائب عن حزب التجمع الوطني، تصرفه بأنه «سلوك بلطجي صغير»، وكتب كيفن موفيو، النائب عن الحزب نفسه، أن العار لو كان له وجه لكان وجه كيليان مبابي.

وذهب أليكسيس جولي، النائب عن التجمع الوطني أيضا، إلى وصفه بأنه «عامل تخريب في خدمة أعداء الشعوب الأوروبية»، فيما أدخلت ماريون ماريشال، السياسية الفرنسية المنتمية إلى اليمين المتطرف، موقف مبابي في السجال حول الهجرة والتضامن مع الأوروبيين.

إن هذه الواقعة تكشف جانبا مقلقا في الممارسة الديمقراطية الإسبانية، حين تمتد الحسابات السياسية إلى ملاعب كرة القدم، ويصبح موقف اللاعبين من رسالة اختيرت لهم مدخلا لمساءلتهم عن الوطنية والولاء. فالزج بالرياضة في قضايا سياسية حساسة، والضغط على الرياضيين بسبب اختياراتهم، يضعان الخطاب الإسباني حول حرية التعبير والحرية الأيديولوجية أمام تناقض يصعب تجاهله، ويطرحان أسئلة أوسع حول قدرة الديمقراطية الإسبانية على حماية مساحة الاختلاف بعيدا عن المزايدات السياسية.

تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي
في 18/09/2026

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.