
المغرب ورهان نزع السلاح النووي: دبلوماسية المبدأ في زمن الانقسامات الدولية
في سياق دولي يتسم بتصاعد النزاعات وتزايد المخاوف من سباق تسلح جديد، يتولى المغرب رئاسة مؤتمر نزع السلاح المنعقد بمقر الأمم المتحدة في جنيف، عبر سفيره وممثله الدائم عمر زنيبر. ويأتي هذا الدور في لحظة دقيقة يعرف فيها النظام الدولي توتراً غير مسبوق، مقابل جمود طال أمده داخل المؤتمر الذي يضم 65 دولة، من بينها القوى النووية الكبرى.
خلال الاجتماع رفيع المستوى الذي حضره الأمين العام أنطونيو غوتيريش، جدد المغرب، عبر كلمة وزير الخارجية ناصر بوريطة التي ألقاها زنيبر، التأكيد على أن نزع السلاح النووي يمثل ضرورة سياسية وأخلاقية لا تقبل الحياد. ويستند هذا الموقف إلى الالتزامات الدولية، وعلى رأسها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، باعتبارها حجر الزاوية في منظومة الأمن الجماعي.
الرئاسة المغربية وضعت أولوية واضحة تتمثل في إعادة إحياء النقاش حول نزع السلاح النووي، خاصة في ظل تنامي خطاب يلوّح بإمكانية استعماله، وما يحمله ذلك من تهديد للاستقرار الدولي. وفي هذا الإطار، تمت برمجة جلسات مهيكلة تجمع خبراء ودبلوماسيين لمناقشة الحد من سباق التسلح وإعادة الزخم إلى المفاوضات المتوقفة منذ عقود، منذ آخر الاتفاقيات الكبرى المتعلقة بحظر الأسلحة الكيماوية والتجارب النووية.
ويرى زنيبر أن الجمود الذي يعرفه المؤتمر يعود إلى تحولات عميقة شهدها العالم، مقابل بطء في تحديث جدول أعماله ليشمل قضايا مستجدة مثل الأسلحة البيولوجية، والتكنولوجيات الحديثة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. ومن ثم فإن الرئاسة المغربية تسعى إلى فتح نقاشات جدية تواكب هذه المستجدات، انسجاماً مع التحولات الجيوسياسية الراهنة.
ويؤكد المسؤول المغربي أن موقف بلاده لا يستهدف دولة بعينها ولا ينخرط في اصطفافات سياسية، بل يندرج ضمن التزام قانوني ومبدئي قائم على احترام الاتفاقيات الدولية. فالمغرب، العضو في المؤتمر منذ سبعينيات القرن الماضي، يراكم خبرة دبلوماسية وتقنية في قضايا نزع السلاح، مع الحرص في الوقت ذاته على صون أمنه الوطني ومصالحه الإستراتيجية.
وفي ما يتعلق بالتوازن بين الدعوة إلى نزع السلاح ومتطلبات الأمن، يبرز الخطاب المغربي تصوراً يعتبر الحد من التسلح خياراً عقلانياً يخدم الاستقرار والتنمية، خصوصاً في عالم تتجاوز فيه كلفة الإنفاق العسكري آلاف المليارات سنوياً، مقابل اختلالات تنموية حادة. كما يشدد على أن تعزيز الأمن لا يمر عبر سباق التسلح، بل عبر الثقة المتبادلة والتعاون متعدد الأطراف.
ويكتسب هذا التوجه بعداً إضافياً مع احتضان الرباط لاجتماعات متعلقة بالوقاية من الإرهاب الإشعاعي والنووي، في إطار دعم الجهود الدولية لمنع أي استعمال إجرامي للمواد النووية ذات الاستخدامات السلمية، بالتنسيق مع الهيئات المختصة.
في المحصلة، تعكس الرئاسة المغربية لمؤتمر نزع السلاح توجهاً دبلوماسياً يقوم على الدفاع عن الشرعية الدولية، وتغليب المقاربة متعددة الأطراف، ومحاولة إعادة قضية نزع السلاح إلى صدارة الأجندة الدولية في ظرفية عالمية معقدة.