الصويرة تحتفي بإيقاعات كناوة في مهرجان ينبض بالحب والبركة

0

استيقظت مدينة الصويرة يوم الخميس على أجواء مختلفة، شعرت وكأن شيئًا مميزًا يحدث في كل ركن من أركانها. المدينة التي تعودت على هدوء البحر وهمسات الرياح، استرجعت نغمتها العتيقة التي يعرفها الجميع: مهرجان كناوة وموسيقى العالم. هذه الفعالية التي لا تحتاج إلى مقدمات، إذ تكفي دقات القراقب لتعلن انطلاقها، وتجمع الكل على وعد سنوي بالفرح والمحبة.

على الرغم من حرارة الجو، تجمّع الزوار من كل حدب وصوب، إذ ملأت السيارات الشوارع منذ الصباح الباكر وحتى الظهيرة. كانت المدينة تستقبلهم بحفاوة واضحة، حيث تناثرت الأصوات، وامتلأت الأزقة بالفنانين، والباعة، والمشاهدين، في أجواء من الحركة والحيوية تعكس انطلاق الدورة السادسة والعشرين للمهرجان.

مع حلول المساء، تجمع الجميع عند باب دكالة لبدء الموكب الرسمي. في وسط هذا التجمع، كانت “المعلّمية” ترفع البخور وتلقي الأدعية، بقيادة عبد السلام عليكان، مدير المهرجان، الذي بارك الفرق برقصات تعبّر عن المحبة والاحترام وتطلب البركة.

كانت دقات الطبول والقراقب تعانق بعضها البعض، بينما تسير فرق مثل “عيساوة” وسط هتافات وترديدات تحرك الحضور، رغم أن بعض الكلمات قد تبدو غامضة، إلا أن الروح التي تحملها واضحة للجميع. تحولت أزقة المدينة القديمة إلى ممشى يعيد ذكريات الجماعة ويتلاقى الناس فيه على إيقاع المحبة والبركة.

مع بداية الكرنفال، علت زغاريد النساء، وامتلأت نوافذ الأزقة بالمراقبين الذين وثّقوا اللحظات بهواتفهم، مدركين أن هذه ليست مجرد لحظة افتتاح، بل سرد متواصل لثقافة المدينة وحياتها.

أحد مقدمي الحفل وصف لحظة الانطلاق بأنها صفاء روحي يسبق التوكل على الله، وأن الخير يتوزع عبر نغمات الموسيقى التي تلامس القلب، مما يجعل المستمعين يرقصون ويعبرون عن فرحهم.

الفنانة هند النعيرة أكدت أن مهرجان كناوة ليس مجرد احتفال، بل هو تواصل بين الروح والمادة، وفرصة ثمينة للفنانين الشباب لاستكشاف هذا التراث الذي اعتبرته اليونسكو تراثًا عالميًا. وأشارت إلى أن مشاركتها المستمرة في المهرجان فتحت لها آفاقًا جديدة في عالم الفن الكناوي.

أما نائلة التازي، منتجة المهرجان، فقد قالت إن هذا الحدث يجمع بين التراث والحداثة وبين ثقافات العالم المختلفة، مؤكدة أنه أكثر من مناسبة موسمية؛ بل هو مشروع ثقافي وطني يحمل رؤية عميقة عن دور الثقافة في الوحدة الوطنية وتعزيز الهوية المغربية.

وأوضحت التازي أن استمرار المهرجان لستة وعشرين عامًا ليس صدفة، بل نتيجة جهد متواصل والتزام كبير نحو خدمة هذا الفن العريق ونشر إشعاعه. وقد شكرت كل من ساهم في إنجاح المهرجان، خصوصًا أهل الصويرة على كرم الضيافة، وشركاء القطاعين العام والخاص على دعمهم الدائم.

شهد حفل الافتتاح مشاركة المعلّم حميد القصري، الرمز الحي للطقوس الكناوية، إلى جانب فرقة “باكالاما” السنغالية التي أبدعت في تقديم إيقاعات ورقصات غرب إفريقيا التقليدية. كما شاركت الفنانتان عبير العابد وكيا لوم في إبداع تناغمات صوتية تجمع بين الروحانيات المغربية والإيقاعات المعاصرة، لتختتم بداية الدورة بحفل استثنائي يُعبر عن غنى وتنوع هذا المهرجان العالمي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.