
الفصل 528 من القانون الجنائي: بين العقاب القانوني وغياب التحفيز على حفظ التراث
ينص الفصل 528 من القانون الجنائي المغربي على ما يلي: “من عثر على كنز، ولو في ملك له، ولم يخطر به السلطة العامة، داخل أجل لا يتجاوز خمسة عشر يومًا من تاريخ العثور عليه، يعاقب بغرامة تتراوح بين 200 و250 درهمًا. أما من تملّك الكنز كليًا أو جزئيًا دون إذن من الجهة القضائية المختصة—even بعد التبليغ عنه—فيعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر، وبغرامة مالية مماثلة.”
من خلال هذا الفصل، يتضح أن المشرع يربط حق الدولة في الاستفادة من الكنوز المكتشفة بإجراء شكلي، يتمثل في التبليغ داخل أجل محدد. وبذلك، يبدو وكأن المسألة لا تُدار بمنطق تحفيزي أو تشاركي، بل بمنطق عقابي يفتقر إلى المرونة، إذ يُعاقب المواطن حتى لو حال ظرف طارئ دون إخباره في الوقت المحدد، وبغرامة رمزية قد يُنظر إليها كإهانة أكثر منها رادعًا قانونيًا.
إن القوانين الرشيدة لا تُبنى على التخويف، بل على الثقة والتحفيز والتشجيع على المشاركة في التنمية وإثراء التراث الوطني. فبدل أن تحفز مقتضيات هذا الفصل المواطنين على الإبلاغ عن الكنوز التاريخية، فإنها تدفع البعض إلى إخفائها، مخافة المتابعة القانونية، مما يكرس ثقافة السرية والتكتم، بدل الوضوح والانخراط في إبراز الموروث الحضاري المغربي.
ويطرح هذا الفصل تساؤلات جدية حول مدى ملاءمته لروح الدستور المغربي الجديد، خاصة في ظل العهد الجديد بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي رسّخ مقاربة الانفتاح والمصالحة، من خلال إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، وتكريس الجهوية الموسعة والتشاركية كآليات لدمقرطة الدولة وتعزيز المواطنة الفاعلة.
المؤسف أن عددًا من القوانين المعمول بها حاليًا، ومنها القانون الجنائي الصادر عام 1962، ما تزال تعكس ذهنية سلطوية تعود إلى الحقبة الاستعمارية أو إلى زمن القمع والتخويف، عوض التحديث والمواءمة مع تطلعات مغرب اليوم.
ورغم أن مشروع القانون الجنائي الجديد، الذي أحيل إلى البرلمان في 9 يناير 2025، يعد بإصلاحات شاملة تشمل أكثر من 420 مادة، فإن من الضروري أن يشمل هذا التحديث مراجعة جوهرية للفصل 528. فاليوم، هناك أكثر من 14 جمعية مرخصة تضم آلاف الباحثين والمنقبين عن التحف والمسكوكات الأثرية، ما يستوجب إطارًا قانونيًا محفزًا مبنيًا على الشفافية، يعزز الثقة ويشجع المواطنين على الكشف عن الكنوز والمساهمة في تثمين التراث الوطني، بدل التخفي والاحتفاظ الفردي به.
إن الحفاظ على هذا الفصل بصيغته الحالية لا يخدم لا المتاحف المغربية ولا صورة المغرب كبلد غني بتاريخه وحضارته، بل يضيع فرصًا ثمينة لكشف كنوز أثرية قادرة على استقطاب السياح، ودعم الاقتصاد الثقافي.
ومع ذلك، يجب الإقرار بأن الفصل نفسه يمكن أن يكون ذا جدوى إذا أعيد توجيهه لمحاربة استغلال الكنوز لأغراض الشعوذة أو الجرائم المرتبطة بالخرافات، خاصة حين تتم عمليات البحث في أماكن مقدسة أو في أوقات مشبوهة.
بناءً عليه، فإن إصلاح هذا الفصل يجب أن يسير في اتجاه مزدوج: تشجيع البحث العلمي المشروع والكشف عن الكنوز التاريخية تحت إشراف قانوني ومؤسساتي، وفي الوقت نفسه تجريم كل الممارسات المرتبطة بالخرافة والشعوذة التي تُسيء إلى قيم المجتمع والعقلانية.