الحركة الأمازيغية تودّع محمد بودهان.. مفكر نقل النضال من الانفعال إلى العقل

0

خلّف رحيل المفكر والناشط الأمازيغي محمد بودهان، الذي وافته المنية أمس الثلاثاء بمدينة سلوان ضواحي الناظور، موجة حزن عميقة في أوساط الحركة الأمازيغية والمشهد الثقافي المغربي عمومًا، باعتباره أحد أبرز العقول التي أسهمت في بلورة الخطاب الأمازيغي المعاصر، ونقله من دائرة التفاعل العاطفي إلى فضاء التحليل العقلاني والنقاش الفكري المؤسَّس.

ويُعد الراحل، المزداد في مطلع خمسينيات القرن الماضي بالريف المغربي، من القامات الفكرية التي كرّست حياتها للدفاع عن التعدد الثقافي وتأصيل الهوية المغربية الجامعة، من خلال الكتابة الفلسفية والتأطير الفكري والعمل الثقافي الميداني؛ وهو ما جعل غيابه يُنظر إليه كخسارة مزدوجة، ليس فقط للحركة الأمازيغية، بل للفكر المغربي الحديث ككل.

وأجمعت فعاليات أمازيغية، في تصريحات متفرقة، على أن محمد بودهان كان من أوائل المفكرين الذين أسّسوا للخطاب الفلسفي والإيديولوجي للحركة الأمازيغية، مستندًا إلى تكوينه الأكاديمي كأستاذ ومفتش لمادة الفلسفة، وهو ما مكّنه من بناء أطروحاته على الحجة والبرهان، بدل الشعارات والانفعالات.

وفي هذا السياق، اعتبر عبد الله بوشطارت، عضو مجموعة الوفاء للبديل الأمازيغي، أن رحيل بودهان يشكّل “فاجعة قاسية وخسارة فادحة”، مبرزًا أن الراحل لعب دورًا محوريًا في تجذير الوعي الأمازيغي داخل أوساط النخبة والطلبة والمثقفين، من خلال كتاباته الغزيرة ومقالاته التحليلية الرصينة.

وأضاف المتحدث أن الراحل أسّس جريدة «تاويزا» سنة 1997 من ماله الخاص، وجعلها منبرًا فكريًا مستقلًا يصدر بثلاث لغات: الأمازيغية والعربية والفرنسية، واستمرت لأزيد من عقدين، محتضنةً أقلامًا شابة وبحوثًا أكاديمية تناولت مختلف قضايا الثقافة والحضارة الأمازيغيتين. ويُعد أرشيف هذه الجريدة اليوم مرجعًا علميًا وفكريًا لا غنى عنه لفهم تطور الكتابة والبحث في الشأن الأمازيغي.

من جهته، أكد رشيد بوهدوز، المنسق الوطني لـ“أكراو من أجل الأمازيغية”، أن المغرب بفقدانه محمد بودهان يودّع أحد “مهندسي العقل الأمازيغي الحديث”، الذي نجح في إعادة صياغة سؤال الهوية بمنهج عقلاني تنويري، يتجاوز منطق الإقصاء والعرق، ويؤسّس للانتماء إلى الأرض كقاسم مشترك بين جميع المغاربة.

وأوضح بوهدوز أن الراحل لم يكن مناضلًا تقليديًا، بل مفكرًا اشتغل على تفكيك الأساطير التاريخية والخطابات الإيديولوجية السائدة، ومن بينها نقده العلمي لأسطورة “الظهير البربري”، مسهمًا بذلك في بناء وعي نقدي رصين بقضايا الهوية والتاريخ والوطن.

وبرحيل محمد بودهان، تطوي الحركة الأمازيغية صفحة أحد أعلامها البارزين، غير أن إرثه الفكري، من كتب ومقالات ومحاضرات ومبادرات ثقافية، سيظل حاضرًا باعتباره مدرسة قائمة الذات، تذكّر بأن النضال الحقيقي لا يُبنى بالصخب، بل بالعقل والحجة، وأن “تمغرابيت” ممارسة فكرية قبل أن تكون شعارًا مرفوعًا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.