
البنية التحتية المنهكة وهمّ العدالة المجالية: حين تنكشف الفجوات تحت أول زخات المطر
مع كل تساقط مطري، يعود إلى الواجهة واقع البنية التحتية الهشة في مناطق المغرب غير المهيكلة، فتغرق دواوير ومناطق هامشية في السيول، وتتحول طرقها إلى برك مائية، كاشفةً عن فجوة عمرانية وإنمائية لا تزال تفصل بين المراكز الحضرية المتقدمة وهوامش البلاد المتأخرة.
هذا الأسبوع، عاشت عدة مناطق غير حضرية على وقع فيضانات جديدة، كانت كافية لتقويض السكينة اليومية وفضح ضعف التجهيزات الأساسية، ما أعاد النقاش حول العدالة المجالية ومدى نجاعة السياسات العمومية في تلبية حاجيات جميع المواطنين، لا سيما ساكنة الجبال والقرى والواحات.
محمد الديش، رئيس الائتلاف الوطني من أجل الجبل، أوضح في تصريح لهسبريس أن “الخسائر المتكررة ناتجة عن تهالك البنية التحتية في المناطق الجبلية”، مضيفاً أن “المنشآت التي تُبنى اليوم غالباً ما تكون أقل صلابة من تلك التي خلفها الاستعمار، وهو أمر مؤسف ويستدعي مراجعة عميقة للمقاربات التقنية والهندسية المعتمدة”.
ويشير الديش إلى أن “الدراسات التي تُبنى عليها مشاريع البنى التحتية في المناطق الجبلية لا تعكس الواقع الميداني ولا تأخذ بعين الاعتبار خصوصية التضاريس”، مؤكداً أن “تحقيق العدالة المجالية، كما نادى بها أعلى هرم الدولة، يتطلب إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الخطابات والشعارات”.
في الجنوب الشرقي، يصف الفاعل المدني وأستاذ علم الاجتماع إبراهيم سداتي الوضع بـ”غير المتكافئ”، موضحاً أن “البنية التحتية خارج المدن الكبرى ما زالت قائمة على تقنيات بناء غير ملائمة، وتفتقر إلى الابتكار الذي يواكب التغيرات المناخية”.
سداتي، صاحب كتاب “التراث العمراني وتنمية المجتمع المحلي”، يرى أن تغيّر أنماط البناء، خصوصاً في الواحات والمناطق الترابية، لم يواكب الظروف المناخية المستجدة، مشدداً على أن “الانتقال من سقوف النخيل إلى الإسمنت لم يكن كافياً لبناء مقاومة حقيقية”، ومضيفاً أن “الدولة مطالبة بإعادة تأهيل هذه المناطق بطريقة مبتكرة تحفظ خصوصياتها وتؤمّن سكانها”.
من هذا المنطلق، تتعالى الدعوات نحو إطلاق نقاش وطني جدي حول مستقبل العدالة المجالية، وموقع البنية التحتية ضمن أولويات التنمية. الأمر لا يتعلق فقط بجدران تتهاوى تحت المطر، بل بتصور عمراني شامل يعكس توازنًا حقيقيًا بين مناطق المركز والهامش، ويعيد للساكنة ثقتها في قدرة الدولة على حمايتها.