
الإنعاش الوطني إلى أين …؟
طارق بولكتابات
علم من مصادر مطلعة في المجلس الأعلى للحسابات أن قضاته “ممنوعون من افتحاص ومراقبة وتفتيش مصير الملايير المخصصة لمديرية الإنعاش الوطني وقال مصدر من داخل المجلس ، نجهل الأسباب التي تجعلنا لا نخضع للمشاريع والملايير المخصصة للإنعاش الوطني إلى المراقبة المالية، وإنجاز تقارير في هذا الشأن، تماما كما يحدث في باقي القطاعات الأخرى”.
وفي هدا الصدد فإن المتفحص للتقارير السنوية، التي يصدرها المجلس الأعلى للحسابات، الذي تتراسه زينب العدوي ، خلفا لإدريس جطو، سيلاحظ غياب تقارير منتظمة، حول قطاع الإنعاش الوطني التي تصرف فيه الملايير، ويقوم بدعم عدة قطاعات حيوية، نظير التعليم والصحة والتعاون الوطني، ببناء سكنيات للمعلمين ودور الطالب والطالبة، ودعم التجهيز القروي، من خلال تقوية البنيات التحتية، وفتح وتقوية المسالك الطرقية وبناء المنشآت الفنية، إضافة إلى مد قنوات وبناء خزانات للماء الصالح للشرب، وإنجاز السواقي للري، والمجازر القروية وملاعب القرب.
وإذا كان قضاة العدوي ممنوعين من اقتحام قلعة مديرية الإنعاش الوطني والمندوبيات التابعة لها، فإن مصلحة الافتحاص والتدبير التابعة للمديرية نفسها، تقوم لجبر الخواطر” من حين لآخر، بعمليات افتحاص داخلي بمندوبيات الإنعاش الوطني، حدد عددها في 54 خلال الفترة ما بين 2014 و2019.
فصناع القرار عندما تقوم قيامة يجرون أبحاث روتينية لافتحاص موقع الفضيحة. وفي هذه الحالة تعمل جهات نافذة ، كل ما في وسعها، من أجل الحيلولة، دون تسريب تفاصيل الفضيحة خارج الأسوار وتكتفي تلك الجهات باتخاذ قرارات إدارية في حق كل من ثبت تورطه في اختلالات وتجاوزات في المشاريع الممولة من ميزانية الإنعاش، أو من تبث تورطه في بيع البطائق أو في استغلال وسرقة العتاد أو استغلال عائدات المحروقات لصالحه أو النفخ في أعداد اليد العاملة المؤقتة التي يتم تشغيلها في المناسبات.
لا حديث للمغاربة على وجه الخصوص إلا عن بطائق الإنعاش الوطني التي يستفيد منها أشباح تصرف لهم المندوبية أجور كل شهر دون القيام بأي عمل رسمي يستفيد المخبرين والمخبرات .
إن عملية توزيع البطائق منذ سنين وهي سارية المفعول على أشباه المراسلين وعلى أقارب بعض النافذين . وهذه الفوضى والعشوائية يتحمل مسؤوليتها عامل الإقليم، باعتباره الوصي و المسؤول المباشر عن مالية المندوبية وهو مطالب قبل المندوب بفتح تحقيق في عمليات صرف مالية المندوبية التي تتلقى كل سنة مئات الملايين من الدولة .
لقد بات من الواجب إعادة النظر في علبة الإنعاش الوطني السوداء. ووضع حد لنزيف أموال الدولة بطرق عشوائية.. تلك الأموال التي تصرف هنا وهناك تحت يافطة (أيام العمل). لاهي تحترم مدونة الشغل بالنسبة للعمال الذين يتلقون فتات المال مقابل أعمال في غالبيتها شاقة ومختلفة. ولا هي تحترم الواجب الوطني بصرفها أجور لمن يستحقونها.
تصرف أجورالعمال أشباح موالين لمنتخبين أو مسؤولين داخل أجهزة السلط المحلية أو الإقليمية، أو مخبرين يغذون السلطة بأخبار وأحوال وسلوكات الناس اليومية… بات من الواجب التفكير في هذا الجيش من العمال والعاملات الذين تكاثروا وتزاوجوا وتناسلوا…
يشكل قطاع الإنعاش الوطني بالمغرب منذ إنشائه من طرف الملك الراحل الحسن الثاني مجالا خصبا لنهب المال، وفرصة لاغتناء بعض ذوي النفوذ من الأعيان ورجال السلطة، وبعض المسؤولين المشرفين على القطاع، حيث بالرغم من الفضائح المرعبة التي انكشفت، وأميط عنها اللثام بالرغم من ذلك ما يزال تسيير هذا القطاع يراوح مكانه، حيث لم يتم لحد كتابة هذه السطور مراجعة آليات تسييره ولم يتم لحد ألان وضع معايير محددة لكيفية الاستفادة من بطائق الإنعاش التي تعد بالآلاف، يأتي ذلك في ظل الدستور الجديد، وفي ظل شعار محاربة الفساد الذي ترفعه الحكومة.
وللإشارة، سنعمل على نشر معطيات وأرقام وحقائق خطيرة حول هذا الملف من كل إقليم على حدة وسنبدأ، بتفاصيل وأسماء معينة، لكن سنقتصر في هذا المقال على توطئة وتقديم لهذا الملف الذي يعتبر كسحابة ضباب من التلوث تغطي الواقع المرير الذي تعيشه الساكنة.
إن الفساد في قطاع الإنعاش الوطني لا يقتصر فقط على توزيع البطائق الذي تتحدث مصادر مطلعة عن كونه يتم دون معايير محددة، اللهم إلا منطق الولاءات، ومنطق الزبونية، والمحسوبية، حيث أن العديد من المستفيدين من البطائق تربطهم علاقة قرابة ببعض البرلمانيين، وبعض المستشارين ورجال السلطة، وبعض المسؤولين الكبار في الإدارات العمومية، دون أن يقوموا بأي عمل يذكر، كما تحدثت بعض المصادر عن عملية سمسرة تتم في بطائق الإنعاش إذ تباع البطاقة الواحدةأحيانا بمبلغ 30 ألف درهم.
وفي نفس السياق، وفي ظل غياب أي آلية قانونية تحدد بدقة كيفية صرف أجور قطاع عمال الإنعاش الوطني يشتكي العديد من العمال من وجود اقتطاعات غير خاضعة لأي مسطرة قانونية، حيث يتم الإبلاغ عنها شفويا دون أن يعرف مصير هذه الاقتطاعات التي تحدد بالأيام، كما أن عمال الإنعاش يتحدثون عن أرقام ما بعد الفاصلة في الأجور المقررة لهم، والتي قد لا يتم استخلاصها ولا يعرف مصيرها أيضا، بالرغم من ضخامتها، إذا افترضنا أن هناك احتمال توزيع عشرات الآلاف من بطائق الإنعاش.
وبالرغم من تراجع حجم الاستغلال، والاحتقار لعمال الإنعاش من طرف المسؤولين، خصوصا بعد تأسيس مكاتب نقابية لعمال الإنعاش الوطني ببعض الأقاليم،.فقد تحدثت بعض المصادر المطلعة عن استمرار اشتغال عمال الإنعاش في بعض الإدارات العمومية، وممارستهم لمهام يفترض أن يقوم بها أطر يستفيدون من تعويضات ضخمة، و بعض الإدارات الأخرى، التي ما تزال تستغل عمال النظافة دون أن تكون لهم أي حماية صحية أو قانونية، بالرغم من خطورة العمل الذي يقومون به، إلى جانب ما سبق، يعج قطاع الإنعاش بالأشباح، الذين يستفيدون من البطائق دون تقديم أي عمل يذكر، فإذا استثنينا بعض الحالات الخاصة والتي يستحق أصحابها بطائق الإنعاش إما لكونهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو من كبار السن، أو من بعض الأرامل.
إن ما تم الحديث عنه من معطيات تهم القطاع، يستوجب إيفاد لجان تحقيق على أعلى مستوى، خصوصا في ظل عدم استجابة العمالات لدعوات الإعلان عن لائحة المستفيدين من بطائق الإنعاش، بالرغم من المطالبات المتكررة، من العديد من الهيئات، كما أن الأمر يستوجب تغيير آليات الاستفادة من خلال وضع معايير محددة، واعتماد الشفافية في الإعلان عن المستفيدين، إلى جانب اعتماد الوضوح في مصير الاقتطاعات التي تتم من أيام العمل، واعتماد الوسائل الحديثة في دفع أجور العمال، إما عبر الأبناك أو عبر البريد لتسهيل الاستخلاص، وتجنب مواقف كثيرة تحط من كرامة الإنسان، خاصة النساء وكبار السن، والحد من أي تلاعب يحتمل أن يحدث.
كما يفترض الإعلان عن مصير البطائق التي طرد أصحابها من عملهم أو انتزعت منهم أو توفوا في ظل حديث البعض عن استمرار صرفها بأسمائهم.