
إسمنت في قلب الاقتصاد: إشارات انتعاش أم مؤشرات مؤقتة
في سياق اقتصادي متقلب، يبرز قطاع البناء والأشغال العمومية بالمغرب كأحد المحركات النشيطة، وهو ما تعكسه الطفرة الأخيرة في مبيعات الإسمنت، المادة التي تُعدّ مؤشرًا أساسيا لقياس حركية هذا القطاع. فقد سجّل شهر يوليوز 2025 ارتفاعًا استثنائيًا في المبيعات بنسبة تجاوزت 17,5% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وفق معطيات رسمية صادرة عن وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير، استنادًا إلى بيانات الجمعية المهنية لشركات الإسمنت.
خلال هذا الشهر وحده، بيعت نحو 1,39 مليون طن من الإسمنت، مما يعكس دينامية متصاعدة في أوراش البناء والبنية التحتية، لا سيما في ظل تسريع أشغال كبرى ومشاريع صيانة مبرمجة على مستوى الطرق، الملاعب، والتجهيزات العمومية.
معطيات إيجابية… ولكن
حتى نهاية يوليوز، بلغ مجموع المبيعات حوالي 8,28 ملايين طن، بنمو تجاوز 11% مقارنة بسنة 2024. وتُظهر أرقام التوزيع أن الإسمنت الموجَّه للاستخدام العام يحتل الصدارة، متبوعًا بإسمنت الخرسانة الجاهزة والمعدة مسبقًا، ثم الإسمنت الخاص بالبنية التحتية.
كما أكدت مديرية الدراسات والتوقعات المالية على هذا المنحى التصاعدي، مسجلة نموًا بـ9,8% خلال النصف الأول من 2025، مدفوعًا أساسًا بتسريع الأوراش العمومية وإعادة تأهيل مناطق منكوبة مثل زلزال الحوز، إضافة إلى مشاريع بناء سدود، موانئ، ومطارات.
طفرة غير مسبوقة منذ سنوات
المحلل الاقتصادي إدريس الفينة يرى أن هذه الأرقام تعيد للأذهان فترة الانتعاش الكبيرة التي شهدها المغرب ما بين 2004 و2006، مشيرًا إلى أن الأشهر السبعة الأولى من 2025 شهدت أرقاما “غير مسبوقة” منذ أكثر من عقد. ويؤكد أن ذلك يعكس وجود رؤية حكومية واضحة واستثمارات عمومية تجاوزت 200 مليار درهم في مجال الأشغال العمومية.
ومع ذلك، يحذر الفينة من اختزال هذا الانتعاش في أرقام الإسمنت وحدها، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يعود إلى البناء الذاتي والمقاولات الصغيرة، وليس بالضرورة إلى نشاط سوق العقار السكني.
هل القطاع العقاري في حالة انتعاش فعلي؟
الخبير العقاري أنيس بنجلون يقدم رؤية مغايرة، موضحًا أن انتعاش مبيعات الإسمنت لا يعني تلقائيًا عودة قوية للسوق العقاري. فالاستهلاك العالي للإسمنت، حسب رأيه، يرتبط بالأوراش العمومية والمشاريع الكبرى، أكثر مما يعكس تحسنًا في بناء الشقق والمساكن.
ويعتبر أن المؤشرات الحقيقية لقياس نبض القطاع العقاري يجب أن تنطلق من عدد الرخص السكنية المُسلمة، وعدد الوحدات المنجزة والمرخص لها بالسكن، وعدد الصفقات العقارية المُنجزة فعليًا، وهي معطيات لم تشهد، حتى الآن، طفرة موازية.
زخم حقيقي أم مؤقت؟
تفتح هذه المعطيات الباب أمام سؤال أساسي: هل نحن أمام بداية انتعاش مستدام في قطاع البناء والعقار، أم أمام طفرة ظرفية مرتبطة بمشاريع عمومية كبرى لا تلبث أن تنتهي؟
في ظل أرقام واعدة في استهلاك الإسمنت، وتحفظ في مؤشرات العقار السكني، يبدو أن الاقتصاد المغربي يتحرك في مسار انتقالي. وبين التفاؤل الحذر والانتعاش غير المكتمل، تبقى الحاجة إلى تتبع دقيق للمؤشرات الميدانية مفتاحًا لفهم مستقبل هذا القطاع الحيوي.