
تقلبات أسعار النفط تضع الفاتورة الطاقية المغربية تحت ضغط التوترات الجيوسياسية
يستهل الاقتصاد المغربي سنة 2026 في ظل سياق دولي متقلب، تطبعه اضطرابات متزايدة في أسواق الطاقة العالمية، بفعل تداخل القرارات الإنتاجية لتحالف “أوبك+” مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، ما يضع الفاتورة الطاقية للمملكة تحت ضغط متواصل.
فمن جهة، واصل تحالف “أوبك+” سياسة تجميد سقف إنتاج النفط خلال الربع الأول من السنة الجارية، في خطوة تروم الحفاظ على توازن السوق ومنع انهيار الأسعار خلال فترة تعرف تقليديًا تراجعًا في الطلب العالمي. ومن جهة أخرى، أدت تطورات سياسية مفاجئة بأمريكا اللاتينية، خاصة بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إلى تعميق حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الإمدادات النفطية، رغم التوقعات بوفرة العرض على المدى المتوسط.
وفي هذا السياق، يراقب المغرب، المعتمد بشكل شبه كلي على استيراد المحروقات، تطور أسعار خام “برنت” التي حافظت على مستويات تفوق 60 دولارًا للبرميل، وسط قراءات متباينة للمحللين حول مآلات السوق، بين من يتحدث عن “استقرار هش” ومن يحذر من عودة الارتفاعات المفاجئة.
ووفق معطيات نقلتها وكالة “رويترز”، سجلت أسعار النفط ارتفاعًا طفيفًا مع شروع المستثمرين في موازنة توقعات زيادة الإمدادات العالمية مقابل المخاوف المرتبطة بالإنتاج الفنزويلي. إذ صعد خام برنت إلى ما يفوق 62 دولارًا للبرميل، في حين اقترب خام غرب تكساس الأمريكي من 59 دولارًا.
ويرى خبراء في مجال الطاقة أن استمرار تجميد الإنتاج يشكل عامل تهدئة للأسواق، ويساهم نسبيًا في كبح ارتفاع الفاتورة الطاقية للمغرب. وفي هذا الصدد، اعتبر مصطفى لبراق، خبير أسواق الطاقة، أن هذه السياسة قد تقلص كلفة الواردات النفطية بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة خلال الموسم الحالي، خاصة وأن قانون المالية بُني على فرضية سعرية أعلى بكثير من الأسعار الراهنة.
غير أن هذا “الهامش الإيجابي”، حسب لبراق، يظل رهينًا بعوامل جيوسياسية غير قابلة للتوقع، ما يستدعي تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة وتقليص التبعية البنيوية للوقود الأحفوري، مستفيدًا من المؤهلات الطبيعية التي يزخر بها المغرب من طاقة شمسية وريحية.
من جانبه، شدد محمد جواد مالزي، أستاذ اقتصاد الطاقة، على أن سوق النفط باتت محكومة بمنطق “التسعير الجيوسياسي”، حيث أصبحت القرارات السياسية والنزاعات الإقليمية تلعب دورًا حاسمًا في تحديد الأسعار، متقدمة على اعتبارات العرض والطلب التقليدية.
وأوضح مالزي أن هشاشة الأوضاع السياسية في دول منتجة، مثل فنزويلا، تقلص مرونة العرض العالمي وتُبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيًا، حتى في غياب اختلال حقيقي في الإمدادات. وهو ما ينعكس سلبًا على الدول المستوردة، وفي مقدمتها المغرب، عبر ارتفاع كلفة النقل والإنتاج، وتزايد الضغط على الميزان التجاري والقدرة الشرائية للمواطن.
ويخلص متابعو الشأن الطاقي إلى أن المغرب يواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في تدبير كلفة التبعية الطاقية على المدى القصير، مع ضرورة بلورة رؤية استراتيجية بعيدة المدى تسرّع تحقيق السيادة الطاقية، وتحصّن الاقتصاد الوطني من صدمات سوق دولية باتت تحكمها اعتبارات سياسية أكثر من منطق اقتصادي محض.