
د.الغيلاني: التضليل الرقمي يعيد رسم مسارات الهجرة غير النظامية ويضع الشباب أمام مخاطر متزايدة
أصبحت الهجرة غير النظامية للشباب المغربي تتخذ أبعاداً جديدة في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي وتزايد تأثير الخوارزميات في تشكيل اختيارات المستخدمين، إذ لم تعد شبكات التهريب تعتمد فقط على الطرق التقليدية لاستقطاب الراغبين في الوصول إلى أوروبا، بل انتقلت بشكل متزايد إلى الفضاء الرقمي.
ويرى الدكتور الغالي الغيلاني، الخبير في مجال الهجرة والشؤون السياسية والاستراتيجية، أن المنصات الرقمية تحولت إلى فضاء مؤثر في صناعة تصورات الشباب حول الهجرة، من خلال تداول محتويات تقدم صورة مثالية عن الحياة في أوروبا، وتروج أحياناً لمعلومات مضللة بشأن سهولة العبور وفرص الاستقرار والعمل.
وأوضح الغيلاني، في مقال تحليلي، أن خطورة هذه الظاهرة تكمن في قدرة المحتوى الرقمي على الوصول بسرعة إلى أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين، فضلاً عن استخدام البث المباشر ووسائل التواصل لتبادل المعلومات وتنسيق محاولات العبور، وهو ما يجعل الهجرة غير النظامية تتجاوز بعدها الجغرافي لتصبح أيضاً ظاهرة ذات امتداد رقمي.
وأشار إلى أن شبكات تهريب المهاجرين استفادت بدورها من التطور التكنولوجي، مستغلة سهولة التواصل وقلة تكلفته للوصول إلى أشخاص يبحثون عن الهجرة. وفي المقابل، يجري في كثير من الأحيان تغييب المخاطر الحقيقية التي قد تواجه المهاجرين، بما فيها الاستغلال والعنف والاتجار بالبشر والموت خلال الرحلات غير الآمنة.
واستند الغيلاني إلى تحذيرات صادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والمنظمة الدولية للهجرة بشأن استغلال التكنولوجيا في أنشطة تهريب المهاجرين، مؤكداً أن توفير معلومات موثوقة ومسارات قانونية وآمنة يمثل أحد المداخل الأساسية للحد من تأثير شبكات التهريب.
أحداث سبتة تكشف قوة التضليل الرقمي
واعتبر الخبير أن محاولات العبور الجماعي الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة قدمت نموذجاً واضحاً لتأثير المعلومات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي في قرارات الشباب، بعدما انتشرت محتويات تزعم سهولة الوصول إلى المدينة وإمكانية العبور دون وثائق.
وبحسب تحليله، ساهم تداول هذه الرسائل على نطاق واسع في خلق تصور لدى عدد من الشباب بأن الوصول إلى الضفة الأخرى أصبح أكثر سهولة، قبل أن يصطدم كثير منهم بواقع مختلف عن الصورة التي روجتها المنصات الرقمية.
ويرى الغيلاني أن هذه التطورات تؤكد محدودية الاعتماد على المقاربة الأمنية والحدودية وحدها، لأن قرار الهجرة قد يبدأ قبل الوصول إلى الحدود، من خلال محتوى رقمي قادر على التأثير في اختيارات الشباب وتقديم الهجرة باعتبارها طريقاً سريعاً نحو تحسين أوضاعهم.
البطالة والإقصاء وأزمة الثقة
وفي مقابل العامل الرقمي، شدد الغيلاني على أن تفسير الظاهرة لا يمكن اختزاله في التضليل الإلكتروني، لأن قابلية الشباب للتأثر بمثل هذه الرسائل ترتبط أيضاً بعوامل اقتصادية واجتماعية، من بينها البطالة وصعوبة الإدماج المهني والشعور بانسداد الآفاق.
كما ربط أزمة الهجرة بتراجع ثقة جزء من الشباب في الأحزاب والمؤسسات التمثيلية، معتبراً أن اختيار الهجرة يمكن قراءته باعتباره تعبيراً عن الإحباط من قدرة القنوات السياسية والاجتماعية التقليدية على الاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة.
وأشار إلى أن الأحزاب مطالبة بتجديد خطابها وفتح هياكلها أمام الكفاءات الشابة، إلى جانب تطوير وسائل تواصل تتلاءم مع التحولات التي أحدثها الفضاء الرقمي في طرق تفكير الشباب وتعبيرهم عن مطالبهم.
دعوة إلى مقاربة وطنية متكاملة
ودعا الغيلاني إلى التعامل مع الهجرة غير النظامية باعتبارها ظاهرة متعددة الأبعاد، تجمع بين الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية، وهو ما يستوجب الجمع بين خلق فرص الشغل وتحسين ظروف العيش وتعزيز الإدماج الاجتماعي، وبين تطوير اليقظة الرقمية ومكافحة التضليل.
واقترح في هذا السياق إحداث أطر مؤسساتية وأكاديمية متخصصة في قضايا الهجرة، وإنشاء شبكات لمراكز البحث واليقظة لدراسة تحولات الظاهرة ومساراتها، إلى جانب إشراك المجتمع المدني والإعلام والأحزاب السياسية في جهود التوعية والوقاية.
كما دعا إلى تطوير التشريعات المرتبطة بالفضاء الرقمي بما يسمح بمواجهة استغلال المنصات في الترويج للتهريب والمعلومات المضللة، بالتوازي مع بناء تعاون دولي يقوم على تقاسم المسؤولية بين دول المنشأ والعبور والاستقبال.
وخلص الغيلاني إلى أن معالجة هجرة الشباب لا ينبغي أن تجعل من المغرب مجرد حارس للحدود الأوروبية، بل تستدعي شراكات متوازنة تراعي الطبيعة العابرة للحدود للظاهرة، مع وضع الشباب في صلب السياسات التنموية والاجتماعية، وإعادة بناء الثقة بينهم وبين المؤسسات.