
“لن أذهب إلى كانوسا”.. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري
في تحليل لاذع محمّل بالدلالات التاريخية والسياسية، سلك الدكتور محمد بنطلحة الدكالي، أستاذ علم السياسة والسياسات العمومية بجامعة القاضي عياض بمراكش، درب المفارقة الرمزية لتفكيك الخطاب الرسمي الجزائري في علاقته المتوترة والمتقلبة بفرنسا، مستحضراً عبارة “لن أذهب إلى كانوسا” كتعبير عن مراوغات السيادة ومآزق الذاكرة.
بنطلحة لم يتوان عن تعرية تناقضات السلطة الجزائرية التي وجدت نفسها، بعد شهور من التصعيد اللفظي والتهديدات الرمزية، تعود فجأة إلى نغمة التهدئة والتعاون، دون تحقيق أي مكاسب واضحة، ودون توضيحات تذكر للشعب الجزائري أو “أحفاد الشهداء”، كما يحب الخطاب الرسمي أن يصفهم.
المقال يسلط الضوء على المكالمة الهاتفية الأخيرة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الجزائري، التي تُوجت ببيان مشترك صدر في 31 مارس 2025، تضمن وعوداً بالتعاون الأمني والقضائي والهجرة، إضافة إلى لفتة إنسانية فرنسية تجاه الكاتب بوعلام صنصال، في وقت لا تزال فيه ملفات الذاكرة معلقة، والجماجم محتجزة في متاحف باريس.
بنطلحة يسائل بشكل ساخر: “أين ذهبت شعارات السيادة؟ وأين اختفى الغضب الرسمي من تصريح صنصال حول الأراضي المغربية؟ ولماذا غاب ذكر المغرب في البيان، رغم أن النزاع حول الصحراء ظل من أبرز نقاط التوتر بين الجزائر وفرنسا؟”
وفي إسقاط تاريخي ذكي، يعود الكاتب إلى قصة “كانوسا” في القرن الحادي عشر، حين اضطر الإمبراطور الألماني هنري الرابع إلى الاعتذار للبابا، لتتحول الواقعة لاحقاً إلى رمز لرفض الإذلال السياسي. وهنا، يُذكّر بنطلحة بتصريحات الرئيس الجزائري حين أعيد “انتخابه” لولاية ثانية، حين قال: “لا أخضع لأوامر أحد، ولن أذهب إلى كانوسا”.
لكن الكاتب لا يلبث أن يكشف المفارقة: “إذا كانت الجزائر لا تذهب إلى كانوسا، فلماذا تعود إلى باريس خفية، ومن دون شروط؟ وأي سيادة تلك التي تسكت عن إهانة الرموز، وتتغاضى عن التاريخ، وتعيد فتح ملفات التعاون بعد إغلاقها دون مقابل؟”
إنها قراءة تجمع بين السخرية والتحليل، وتضع خطاب “الكرامة الوطنية” في مرآة الواقع السياسي، حيث تتصادم الشعارات مع المصالح، وتبقى “كانوسا” عنواناً مؤجلاً لمصالحة لم تكتمل، وذاكرة لم تُصفَّ بعد.