
علاقات وشائعات وقضية كورينا: الحياة الخاصة التي هزّت العرش الاسباني (مذكرات خوان كارلوس – الحلقة 14)
يخص ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس الأول فصلاً كاملاً من مذكّراته للحديث عن الجدل الذي رافق حياته الخاصة، نافياً ما ظل لسنوات موضوع أحاديث في الأوساط السياسية والإعلامية في مدريد حول علاقاته خارج إطار الزواج.
ويعترف الملك السابق بعلاقة واحدة فقط، مع “الزوجة السابقة لأحد أصدقائه” التي رافقته إلى بوتسوانا سنة 2012، بينما ينفي باقي الروايات، معتبراً أنه كان ضحية “حملات تشهيرية” تقف وراءها علاقة سابقة، في إشارة واضحة إلى كورينا لارسن.
غير أن هذه السردية الدفاعية، بحسب مراقبين، تتجاهل التأثير الذي تركته تلك القضايا على أسرته وعلى صورة المؤسسة الملكية الإسبانية.
ميثاق الصمت الإعلامي
على مدى عقود، التزمت الصحافة الإسبانية بما يشبه “ميثاق الصمت” حول الحياة الخاصة للملك. ويعترف خوان كارلوس بذلك صراحة في مذكراته، إذ يشير إلى حادثة التقاط صورة له عارياً على متن يخته وبيعها للصحافة الإيطالية، دون أن تنشرها أي صحيفة إسبانية.
ويقول إن ذلك كان يعكس “احتراماً للمؤسسة الملكية”، غير أن منتقدين يرون أن الأمر كان أقرب إلى رقابة ذاتية غير معلنة هدفت إلى حماية صورة الملكية.
هذا الصمت استمر خلال سنوات حكم فرانسيسكو فرانكو وخلال جزء كبير من مرحلة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا، حيث كانت الأوساط الأرستقراطية والاقتصادية على علم بعلاقات الملك، بينما ظل الإعلام المحلي يتجنب الخوض فيها.
بداية تصدّع الجدار
بدأت هذه الحماية الإعلامية تتراجع في تسعينيات القرن الماضي، مع صعود صحافة المشاهير وتزايد اهتمام الإعلام بالحياة الخاصة للشخصيات العامة.
ويكتب خوان كارلوس أن الشائعات حول حياته الخاصة بدأت تنتشر آنذاك، لكنه لم يعتبرها مؤثرة في أدائه الرسمي، مؤكداً أن تلك الأمور “لم تمس مهامه الملكية”.
غير أن هذا الفصل بين الحياة الخاصة والوظيفة العامة كان موضع انتقاد واسع، لأن صورة الملك في الأنظمة الملكية الدستورية تشكل جزءاً من شرعية المؤسسة نفسها.
رحلة بوتسوانا… لحظة الانكشاف
المنعطف الحقيقي وقع في أبريل 2012 عندما سافر الملك إلى بوتسوانا لصيد الأفيال، في وقت كانت إسبانيا تعيش أزمة اقتصادية حادة.
خلال تلك الرحلة، كان برفقة كورينا لارسن، وهي سيدة أعمال ألمانية ارتبط اسمها بعلاقة طويلة مع الملك. لكن الحادث الذي تعرض له بعد سقوطه وكسر وركه أجبره على العودة إلى إسبانيا، ما كشف الرحلة وأثار جدلاً واسعاً داخل البلاد وخارجها.
تحولت القضية إلى رمز لتناقضات المرحلة: ملك في الرابعة والسبعين يقوم برحلة صيد فاخرة بينما تعاني البلاد من البطالة والتقشف.
كورينا… علاقة مثيرة للجدل
في مذكراته، يشير خوان كارلوس إلى كورينا بوصفها “علاقة سابقة” نشرت روايات تشهيرية عنه عبر مقابلات إعلامية وبودكاست ومسلسل تلفزيوني.
كما يذكر دعوى قضائية رفعتها في لندن، غير أن القضاء البريطاني رفض منحه حصانة في تلك القضية، ما فتح الباب لمزيد من الجدل حول علاقته بها.
ورغم تأكيده أنه يكتب “بإخلاص وحياء”، فإن منتقديه يرون أن روايته تتجاهل تأثير تلك العلاقة على زوجته الملكة الملكة صوفيا وعلى صورة العائلة الملكية.
حين تؤثر الحياة الخاصة في المؤسسة
يحاول خوان كارلوس في مذكراته الفصل بين حياته الشخصية ودوره كملك، مؤكداً أن علاقاته لم تؤثر في أدائه الرسمي.
غير أن الواقع السياسي كان مختلفاً. فمع تراكم الفضائح، بدأت صورة الملكية الإسبانية تتآكل تدريجياً. ولم تكن قضية كورينا وحدها السبب في تنازله عن العرش عام 2014، لكنها جاءت ضمن سلسلة أزمات، منها فضيحة “نوس” التي تورط فيها صهره إينياغو أوردانغارين، وقضايا مالية مرتبطة بحسابات خارجية.
وفي النهاية، اضطر الملك إلى التنازل عن العرش لصالح ابنه فيليبي السادس، في محاولة لإنقاذ صورة المؤسسة الملكية.
رواية متأخرة من أبوظبي
اليوم، يعيش خوان كارلوس في أبوظبي حيث يحاول، عبر مذكراته، تقديم روايته للأحداث والدفاع عن إرثه السياسي.
لكن بالنسبة لكثير من الإسبان، لم تكن القضية مجرد حياة خاصة خرجت إلى العلن، بل نموذجاً لامتيازات السلطة حين تبقى خارج المساءلة.
وهكذا، حين انهار جدار الصمت الإعلامي، لم تتكشف مجرد قصة شخصية، بل تاريخ طويل من التوتر بين الحياة الخاصة للملك وصورة المؤسسة التي يمثلها.