ذ.الخو:اثقافة “التشناقت”… او حين يتحول الاحتياج إلى سوق مفتوح للنهب

0

لم يعد مصطلح “الشناقة” مجرد كلمة عابرة في القاموس الشعبي المغربي، بل صار توصيفاً دقيقاً لثقافة اجتماعية واقتصادية تتغذى على الأزمات، وتعيش على اختناق الناس، وتقتات من عرق المحتاجين وآلامهم.

فـ”الشناق” في المخيال الشعبي ليس تاجراً عادياً، بل شخص يتربص بحاجات الناس، يشتري في لحظة ضعفهم، ويبيع في لحظة اضطرارهم، ويعتبر كل أزمة موسماً للغنيمة.

ومع توسع هذه الظاهرة، برز مصطلح آخر لا يقل دلالة وخطورة، هو “الفراقشية”، وهم أولئك الذين يجوبون الأسواق والقرى والهوامش بحثاً عن الفرائس الاقتصادية والاجتماعية، يقتنون بأبخس الأثمان، ويبيعون بأغلى الأثمان، مستفيدين من الجهل أحياناً، ومن الحاجة أحياناً أخرى، ومن غياب الأخلاق دائماً.

لكن الخطير في الأمر أن “التشناقت” لم تعد مجرد سلوك فردي معزول، بل تحولت إلى عقلية عامة وثقافة منتشرة، تتسلل إلى مختلف الطبقات والمجالات. فهناك شناقة في الأسواق، و شناقة في العقار، و شناقة في السياسة، و شناقة في الانتخابات، بل حتى في القيم والمواقف. إنها فلسفة قائمة على مبدأ واحد: “كيف أستفيد من ضعف الآخر؟”

في موسم الأزمات، يظهر الشناق الحقيقي. حين ترتفع الأسعار، أو تشتد الحاجة، أو تضيق السبل، تجد من يخزن السلع لا ليأكلها، بل ليضاعف ثمنها. تجد من يحتكر، ومن يرفع الأسعار بلا رحمة، ومن يحول معاناة الناس إلى فرصة استثمارية. وكأن بعض النفوس لا تزدهر إلا فوق أنقاض الآخرين.

أما “الفراقشية”، فقد تجاوزوا مفهوم التجارة البسيطة، ليصبحوا رمزاً للانتهازية الاجتماعية. إنهم لا يشترون الأشياء فقط، بل يشترون ظروف الناس، هشاشتهم، فقرهم، قلة حيلتهم. يدخلون إلى البيوت المتعبة والأسواق المنسية، يبحثون عن كل ما يمكن تحويله إلى ربح، ولو كان ذلك على حساب كرامة الناس وحاجاتهم الأساسية.

والأدهى أن المجتمع بدأ يتعايش مع هذه الثقافة بشكل مقلق، حتى صار البعض يعتبر “الفهلوة” و”القدرة على اقتناص الفرص” نوعاً من الذكاء الاجتماعي، ولو كانت قائمة على الاستغلال. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: حين يتحول الجشع إلى مهارة، والانتهازية إلى شطارة، والاحتكار إلى “رزق مشروع”.

إن ثقافة “التشناقت” ليست مجرد أزمة أخلاقية، بل هي نتيجة لاختلالات أعمق: ضعف الرقابة، هشاشة الوعي، تراجع قيم التضامن، وهيمنة منطق الربح السريع بأي ثمن. ففي المجتمعات السليمة، يُقاس النجاح بما يضيفه الإنسان للمجتمع، أما في مجتمعات “التشناقت”، فيُقاس النجاح بقدرة الفرد على اقتناص أكبر قدر من المكاسب ولو على حساب الجميع.

لقد أصبح بعض الناس يتعاملون مع الوطن كسوق ضخمة، لا كفضاء مشترك للحياة والكرامة. المواطن بالنسبة لهم ليس إنساناً له حقوق، بل زبون دائم أو فريسة محتملة. وهنا تتحول العلاقات الاجتماعية من روابط تضامن إلى علاقات افتراس ناعم، يأكل فيها القوي الضعيف باسم التجارة، أو الذكاء، أو “شطارته في الحياة”.

إن أخطر ما في “التشناقت” أنها لا تدمر الاقتصاد فقط، بل تقتل الثقة بين الناس. فحين يشعر المواطن أن الجميع مستعد لاستغلاله، يفقد الإحساس بالأمان الاجتماعي، ويتحول المجتمع إلى غابة مقنعة بالقوانين والأعراف.

ولعل السؤال الحقيقي اليوم ليس: من هم الشناقة؟ بل: كيف أصبحنا نتعايش مع ثقافة التشناقت إلى هذا الحد؟ وكيف تحولت بعض القيم النبيلة كالتجارة والعمل والربح إلى أدوات لامتصاص دم المحتاجين؟

إن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر أو
الأزمات، بل تنهار حين يصبح الجشع فضيلة، والرحمة سذاجة، والاستغلال مهارة يُصفق لها الجميع. وعندها لا يعود “الشناق” مجرد شخص، بل يتحول إلى عقلية تتسلل إلى المجتمع وتعيد تشكيل قيمه على صورة الطمع والانتهازية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.