
“فوراستيرا”: رحلة صامتة في أوجاع الفقد على شاشة السينما الإسبانية
في آخر عروض المسابقة الرسمية للدورة الثانية والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، خطفت المخرجة الإسبانية الشابة لوسيا ألينار إغليياس أنظار الجمهور بفيلمها الروائي الأول “فوراستيرا”، الذي يمثل تجربة سينمائية صامتة بامتياز، تراهن على التعبير الباطني للشخصيات لتصوير أوجاع الفقد وتعقيدات المرور بلحظة الحداد.
يبني الفيلم أحداثه حول الشابة كاتا، التي تقضي عطلة مع شقيقتها في منزل جديها بجزيرة مايوركا. تبدو حياتها اليومية في البداية هادئة وسعيدة، بين البحر وجمال الطبيعة المحيطة، لكن مكالمة هاتفية من والدتها في مدريد تكشف عن وجود توترات في العلاقة الأسرية، قبل أن تتفاقم الأحداث بشكل مأساوي حين تعثر كاتا على جدتها جثة هامدة إثر سقوطها من الدرج، ما يقلب حياتها وحياة الأسرة رأساً على عقب.
يمتد الفيلم على مدى 98 دقيقة، ليغوص في أعماق الحزن الصامت الذي لا يظهر في الدموع، حيث يتجلى الصراع النفسي من خلال إنكار الجد المكلوم وحفيدته كاتا. وقد نجح كل من لويس هومار وزوي شتاين في نقل هذه المشاعر المكبوتة من خلال لغة العيون والتعبيرات الجسدية الدقيقة، ما أضفى على المشاهدين شعوراً بالغموض والجنائزية حتى من دون تصوير مراسم التشييع بشكل صريح.
يعالج الفيلم أيضاً طبيعة العلاقات المعقدة بين الشخصيات، خاصة عبر لعبة تنكرية تقوم بها كاتا بارتداء ملابس جدتها ومحاولة تقليد مهامها اليومية. تتدخل الأم لاحقاً لإيقاف اللعبة، لتكشف عن مواجهة حقيقية مع الغياب والفقد، وتضع الشخصيات أمام مرآة الحقيقة المؤلمة.
من الناحية الفنية، يعتمد “فوراستيرا” على مزج موسيقى تصويرية موحية، وحوار مقتصد، وتعبيرات جسدية عميقة، وتركيب لقطات شاعرية، ما يمنح الفيلم طابعاً فنياً تشكيلياً راقياً، ويجعل تجربة المشاهدة متكاملة وحسية. وتبرز هذه المزايا بوضوح بفضل الأداء المتميز لكل من زوي شتاين في دور كاتا، ولويس هومار في دور الجد، مما يرفع العمل إلى مستوى سينمائي متقن ومؤثر.
تجدر الإشارة إلى أن لوسيا ألينار إغليياس، المولودة في مدريد، هي كاتبة سيناريو ومخرجة، حاصلة على دبلوم في الإخراج من جامعة نيويورك، وشهادة في كتابة السيناريو من جامعة كولومبيا. وقد عُرض فيلمها القصير الأول “فوراستيرا” في عدة مهرجانات دولية بارزة، منها أسبوع النقاد بمهرجان كان، ومهرجان كورتاس فيلا دو كوندي، ومهرجان لي آركس السينمائي، ومهرجان أوبرهاوزن الدولي للفيلم القصير، كما ترشح لنيل جائزة غاودي، ونالت خلال مسيرتها جائزة آرتيكينو الدولية في سوق متحف الفن المعاصر، ما يعكس تقديراً عالمياً لإبداعها الفني ورؤيتها السينمائية الفريدة.