
تحولات المدينة المغربية بين مطلب العدالة الحضرية وسؤال الحق في الفضاء المشترك
في إطار الدورة الثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، نظم المجلس الوطني لحقوق الإنسان لقاءً فكرياً خصّص لمناقشة أبعاد “الحق في المدينة”، وتحليل التحولات العميقة التي يعرفها الفضاء الحضري بالمغرب، من خلال تقديم مؤلَّف جماعي شارك فيه الباحثان عبد العزيز عديدي ويونس وحالو، وأداره المصطفى المريزق، العضو السابق بالمجلس.
جذور التمدين والتحول العمراني
افتتح الباحث عبد العزيز عديدي مداخلته بالتأكيد على أن نشأة المدينة في المغرب وشمال إفريقيا قديمة قدم التاريخ، إلا أن ظاهرة التمدين الحديثة ارتبطت إلى حد كبير بالفترة الاستعمارية. هذه المرحلة شكلت نقطة تحول مفصلية في البنية الاجتماعية والاقتصادية، إذ أدت إلى خلخلة العالم القروي ونشوء موجات هجرة واسعة نحو المدن التي أوجدها المستعمر، مثل الدار البيضاء.
وأوضح عديدي أن نسبة سكان الحواضر لم تتجاوز 8% سنة 1912، بينما بلغت 65% في إحصاء 2024، ما يعكس تحوّلاً ديمغرافياً عميقاً حول المغرب من مجتمع قروي إلى مجتمع يغلب عليه الطابع الحضري. ومع هذا التحول، برزت تحديات معقدة من قبيل التوسع العمراني غير المتحكم فيه، وانتشار السكن غير اللائق، والضغط على الخدمات الأساسية، مقابل مساهمة المدن اليوم بـ80% من الناتج الوطني و50% من مناصب الشغل.
وفي سياق النقاش حول المدن الجديدة، أشار عديدي إلى غياب تعريف قانوني واضح لهذا المفهوم، منتقداً اختزالها في تجزئات سكنية تفتقر للبنية التحتية والخدمات الضرورية، ما يفرغها من مضمونها الحضري الحقيقي.
المدينة كفضاء للحقوق والتفاوتات
من جانبه، تناول الأستاذ يونس وحالو الحق في المدينة كمدخل لإعادة التفكير في علاقة الأفراد بمحيطهم الحضري، مشدداً على أن المدينة ليست فقط تجمعاً عمرانياً، بل فضاء للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومجالاً لإعمال الحقوق والحريات. وأكد على ضرورة منح تمييز إيجابي للفئات الهشة داخل المدينة، مثل النساء، الأطفال، المسنين، وذوي الاحتياجات الخاصة.
وحذر الباحث من اختزال مفهوم التنمية الحضرية في البعد البنيوي أو التقني فقط، دون استحضار البعد الحقوقي والعدالة المجالية. واعتبر أن تجاوز أعطاب السياسات الحضرية يستدعي مقاربة متعددة التخصصات تشمل القانون، والاقتصاد، والجغرافيا، والاجتماع، وأن المدينة يجب أن تكون تجسيداً للديمقراطية المحلية، وتكريساً لحق الأفراد في الفضاء المشترك.
نحو عدالة حضرية شاملة
خلص المتدخلون إلى أن التفكير في الحق في المدينة هو في جوهره تفكير في مستقبل العيش المشترك، وفي كيفية إعادة توزيع الثروة والفرص داخل المجال الحضري بشكل أكثر عدلاً. كما شددوا على أهمية الالتقائية بين الفاعلين العموميين، والوعي بتعقيدات التمدن السريع، والحاجة إلى تخطيط حضري يراعي البعد الحقوقي والإنساني للمدينة.
وفي ظل التحولات الكبرى التي يعرفها النسيج الحضري المغربي، تظل المدينة فضاءً مفتوحاً للسؤال والنقاش، وحلقة مركزية في مشروع العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة.