
تناقض القرارات بين الجماعة والسلطة المحلية: إشكالية تدبير واستغلال الملك العام
تُعد مسألة تدبير الملك العام من القضايا التي تستوجب وضوحًا في الرؤية وتنسيقًا محكمًا بين مختلف المتدخلين، وعلى رأسهم الجماعات الترابية والسلطة المحلية. غير أن الواقع يكشف أحيانًا عن اختلالات عميقة، أبرزها تناقض القرارات وغياب توحيد التوجه، وهو ما ينعكس سلبًا على ثقة المواطنين ويطرح تساؤلات حول حكامة التدبير المحلي.
في حالة واقعية، قامت الجماعة بمنح رخصة لاستغلال الملك العام لفائدة أحد المواطنين، عبر إقامة ستائر و”طنف” وفق المساطر المعمول بها. هذا الترخيص، الذي يفترض أنه قانوني وملزم، منح صاحبه نوعًا من الاطمئنان والاستقرار لمزاولة نشاطه. غير أن المفاجأة تمثلت في تدخل السلطة المحلية، ممثلة في شخص السيد القائد، لمحاولة إزالة نفس الاستغلال الذي سبق الترخيص له، بل وتم ذلك باستخدام جرافة تابعة للجماعة نفسها.
هذا الوضع يبرز تناقضًا واضحًا: كيف يمكن لمؤسسة أن تمنح الترخيص، ثم تُسخَّر وسائلها لإزالته؟ وأين يكمن الخلل: في قرار الجماعة أم في تدخل السلطة المحلية؟ أم أن الأمر يتعلق بغياب التنسيق بين الطرفين؟
إن هذا النوع من التضارب يضع المواطن في موقف صعب، حيث يصبح ضحية قرارات متناقضة بين جهتين يفترض فيهما التكامل لا التعارض. كما يطرح إشكال المسؤولية: من يتحمل تبعات الضرر المادي والمعنوي الناتج عن هذه الإجراءات؟ وهل يمكن اعتبار الرخصة الممنوحة مجرد وثيقة غير محمية من قرارات لاحقة؟
من الناحية القانونية، تخضع رخص استغلال الملك العام لشروط وضوابط، ويمكن سحبها أو تعديلها في حالات معينة، لكن ذلك يجب أن يتم وفق مساطر واضحة، مع تعليل القرار واحترام حقوق المعني بالأمر، وليس عبر تدخلات مفاجئة قد تُفهم كنوع من التعسف أو سوء التدبير.
إن تجاوز مثل هذه الإشكالات يتطلب تعزيز التنسيق بين الجماعات الترابية والسلطة المحلية، وتوحيد الرؤية بخصوص تدبير الملك العام، مع الحرص على احترام مبدأ الأمن القانوني للمواطنين. كما يفرض ضرورة اعتماد الشفافية في اتخاذ القرارات، وتوضيح أسباب أي تدخل أو تغيير في الوضع القانوني للرخص الممنوحة.
في الختام، فإن الحكامة الجيدة لا تُقاس فقط بإصدار القرارات، بل بمدى انسجامها واستقرارها واحترامها لحقوق المواطنين. وأي تناقض في هذا الإطار لا يؤدي إلا إلى فقدان الثقة وتعميق الإحساس بعدم الإنصاف، وهو ما يستدعي وقفة جادة لإصلاح آليات التنسيق والتدبير على المستوى المحلي.