إفساد الذوق العام أم جرائم فردية؟ قراءة في اعتقال المؤثرين المغاربة ودور الإعلام العمومي

0

حرر من طرف : سميرة الجعيني 

شهد المغرب مؤخراً موجة من الاعتقالات طالت عدداً من المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، مثيرةً جدلاً واسعاً بين من يرى في هذه الخطوة محاولة ضرورية لمكافحة الجريمة والانحراف، ومن يعتبرها معالجة سطحية لظاهرة أعمق وأخطر تتعلق بالتأثير السلبي للمحتوى الذي يقدمه هؤلاء المؤثرون على المجتمع.

ورغم أن هؤلاء المؤثرين لا يمثلون سوى أنفسهم، إلا أنهم استطاعوا جذب ملايين المتابعين، وهو ما يعكس خللاً في المنظومة المجتمعية والثقافية. بعضهم سبق أن اعتُقل لارتكابه مخالفات قانونية، إلا أن عودتهم إلى السلوكيات ذاتها تطرح أسئلة حول كفاءة الردع القانوني وقدرته على إصلاح هذا النوع من الانحرافات.

وعلى الجانب الآخر، هناك من يوجه أصابع الاتهام إلى الإعلام العمومي الذي وصفه البعض بـ”قنوات الصرف الصحي”. فمنذ التسعينيات، فرضت هذه القنوات على المغاربة محتويات سطحية، بما في ذلك المسلسلات المدبلجة المكسيكية والتركية، والتي اعتُبرت مسؤولة عن طمس الهوية الثقافية المغربية وتدهور الذوق العام. هذا الدور السلبي أسهم في خلق بيئة خصبة لتقبل المحتوى الرديء الذي يقدمه بعض المؤثرين.

وفيما تتجه الأنظار إلى الجرائم الفردية التي ارتكبها المؤثرون، يرى البعض أن الجريمة الأخطر تكمن في إفساد الذوق العام وأخلاق الأجيال الصاعدة. هذا التدهور الأخلاقي، الذي يُعزى إلى ضعف الرقابة الثقافية والإعلامية، يشكل تهديداً أكبر للمجتمع من الجرائم التقليدية التي يُتابع بسببها هؤلاء المؤثرون. وكما قال الشاعر:
“إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”

وتُثار تساؤلات حول فعالية اعتقال المؤثرين كخطوة لمواجهة التفاهة: هل يكفي ذلك لوقف هذا الانحدار؟ أم أن الحل يكمن في إصلاح شامل لمنظومة الإعلام والتعليم والثقافة التي ساهمت في نشوء هذه الظواهر؟

جدير بالذكر أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في محاسبة الأفراد، بل في بناء مجتمع يدعم القيم الأصيلة، يشجع الإبداع الحقيقي، ويحاسب المؤسسات التي ساهمت في تدهور الذوق العام. ان مواجهة التفاهة تتطلب رؤية شاملة تستهدف إعادة هيكلة القيم الثقافية والإعلامية، لضمان مستقبل يحترم الهوية المغربية ويحمي أخلاق الأجيال القادمة.

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.