أيت ملول.. المفهوم الجديد للسلطة في تحرير الملك العمومي

0

رئيس المقاطعة الإدارية الثانية يعتمد أسلوب التواصل الميداني في إعادة تنظيم احتلال الملك العمومي، مع الحرص على احترام المساحات المرخص بها وضمان حق المواطنين في استعمال الأرصفة والممرات.


في إطار الجهود الرامية إلى تنظيم الفضاءات العمومية وإعادة الاعتبار لجمالية الأحياء بمدينة أيت ملول، شهد حي الشهداء تحركاً ميدانياً للسلطات المحلية، استهدف الوقوف على وضعية احتلال الملك العمومي من طرف بعض الأنشطة التجارية، والعمل على إعادة تنظيمه وفق الضوابط القانونية الجاري بها العمل.


وتندرج هذه المبادرة في سياق مقاربة ميدانية يعتمدها رئيس المقاطعة الإدارية الثانية، تقوم على التواصل المباشر مع التجار والمهنيين، وفتح باب الحوار معهم بشأن ضرورة احترام المساحات المخصصة للاستغلال التجاري، وعدم تجاوز الحدود المسموح بها، بما يضمن التوازن بين استمرارية الأنشطة التجارية وحق المواطنين في استعمال الأرصفة والممرات بكل حرية وأمان.

وخلال هذه الجولة، شكل الحوار المباشر مع أصحاب المحلات والباعة أحد أبرز ملامح التدخل، من خلال توضيح الضوابط القانونية المنظمة لاستغلال الملك العمومي، والتنبيه إلى ضرورة احترام المسافات المحددة، وتفادي كل أشكال التوسع العشوائي التي من شأنها عرقلة حركة الراجلين أو التأثير على سلامة مستعملي الطريق.
ولا يتعلق الأمر بمجرد إجراء ميداني ظرفي، بل بمسؤولية تنظيمية تستند إلى ترسانة قانونية واضحة، في مقدمتها القانون رقم 57.19 المتعلق بنظام الأملاك العقارية للجماعات الترابية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.74 بتاريخ 14 يوليوز 2021، والذي حدد الإطار القانوني للاحتلال المؤقت للملك العام.
فبموجب المادة 15 من هذا القانون، يخضع الاحتلال المؤقت للملك العام دون إقامة بناء لترخيص يصدره رئيس مجلس الجماعة، بناء على قرار تنظيمي تتم المصادقة عليه وفق المسطرة القانونية، فيما تنظم المادة 16 حالات الاحتلال المؤقت الذي يتضمن إقامة بناء. كما تؤكد المادة 19 ضرورة مراعاة حقوق الغير عند منح التراخيص، وتلزم المادة 21 المستفيد بأداء الإتاوة المستحقة مقابل هذا الاستغلال.
ويحدد قرار الترخيص، وفق المادة 22، هوية المستفيد والمساحة والموقع والمدة وطبيعة الاستغلال ومبلغ الإتاوة، وهو ما يعني أن الترخيص لا يمنح صاحبه الحق في التوسع خارج المساحة المحددة أو تحويل الرصيف إلى امتداد غير قانوني لمحله التجاري. كما أن المسافات الواجب احترامها لا تخضع لرقم موحد في جميع الشوارع، وإنما ينبغي الرجوع بشأنها إلى القرارات التنظيمية المحلية والتحديدات المعتمدة.

وفي المقابل، وضع المشرع آليات واضحة للتعامل مع حالات الاحتلال غير القانوني، حيث تنص المادة 27 من القانون نفسه على توجيه إعذار إلى كل شخص يحتل الملك العام دون ترخيص من أجل التوقف عن ذلك فوراً، مع عدم الإخلال بالمتابعات القضائية، كما تلزم المخالف بأداء تعويض لفائدة الجماعة يعادل خمسة أضعاف الإتاوة التي كان سيؤديها لو استفاد من الترخيص، عن كل سنة أو جزء منها من الاحتلال غير القانوني.
أما في الحالات التي تتضمن إقامة بنايات أو إنجاز أشغال فوق الملك العام دون ترخيص مسبق، فإن المادة 28 تنص على إمكانية تدخل السلطة المحلية لهدم البنايات وإرجاع العقار إلى حالته الأصلية على نفقة المخالف، دون الإخلال بالمتابعات القضائية.


ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد الحوار والتوعية لا يعني التساهل مع المخالفات أو التراجع عن تطبيق القانون، بل يشكل مدخلاً لتصحيح الوضعيات وإشراك التجار في عملية التنظيم، قبل اللجوء إلى الإجراءات القانونية والزجرية في حق من يصر على الاستمرار في احتلال الملك العمومي خارج الضوابط المحددة.
إن ما يميز هذه المقاربة الميدانية بحي الشهداء هو محاولة الجمع بين الحزم القانوني والبعد التواصلي، بما يعكس أن المفهوم الجديد للسلطة لا يقوم فقط على إصدار التعليمات وتنفيذ القرارات، وإنما أيضاً على الإنصات والتوضيح والإقناع، مع ضمان المساواة أمام القانون وعدم استثناء أي جهة من مقتضياته.
ويبقى الرهان الحقيقي هو استمرارية هذه العمليات وتعميمها على مختلف أحياء المدينة، بتنسيق بين السلطات المحلية والمصالح الجماعية المختصة، حتى لا يظل تحرير الملك العمومي مجرد حملات مؤقتة، بل يتحول إلى ممارسة يومية قائمة على احترام القانون وصيانة حقوق المواطنين والتجار على حد سواء.
فالملك العمومي ملك للجميع، واحترامه مسؤولية مشتركة، والحوار يفتح الطريق أمام التنظيم، لكن القانون يظل المرجعية التي يجب أن يخضع لها الجميع دون استثناء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.