
طموح مشروع أم خيار واقعي؟ حزب الأصالة والمعاصرة ورهان قيادة الحكومة
لم يعد من المقبول، اليوم، اختزال النقاش السياسي في اللحظة الإنتخابية بل الأولى والواجب أن يُنظر إليه بوصفه يتولّد عبر الخطابات والمواقف التي تعكس توازنات القوة داخل المجتمع، ومدى استعداد الأحزاب لتحمل المسؤولية.
وفي هذا السياق، تكتسي التصريحات الصادرة عن قيادات حزبية وازنة أهميتها، ليس باعتبارها بديلاً عن الصناديق، بل باعتبارها تعبيراً عن ثقة سياسية ومشروعية نضالية تراكمت عبر السنوات.
تصريح أحمد التويزي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس فريقه النيابي بمجلس النواب، الذي عبّر فيه بوضوح عن قناعته بأن فاطمة الزهراء المنصوري مؤهلة لقيادة الحكومة المقبلة، لا يمكن اختزاله في “إعلان نتائج مسبق”، بقدر ما هو قراءة سياسية تستند إلى معطيات موضوعية: مسار حزبي متصاعد، حضور تنظيمي قوي، وتجربة قيادية أثبتت نجاعتها في التدبير المحلي والوطني.
والسياسة، بطبيعتها، ليست مجالاً للتواضع المبالغ فيه، ففاطمة الزهراء المنصوري ليست اسماً طارئاً على المشهد السياسي، ولا مرشحة ظرفية صعدت بخطاب شعبوي. هي مناضلة تدرجت تنظيمياً وراكمت تجربة مؤسساتية معتبرة، من رئاسة المجلس الجماعي لمراكش إلى تحمل مسؤولية حقيبة وزارية هامة، إلى قيادة حزب وطني كبير، وأظهرت قدرة على الجمع بين الواقعية السياسية والوضوح في الرؤية، وهو ما يفسر الثقة التي يضعها فيها مناضلو حزبها وقياداته.
أما وصف “الخطاب الحماسي” الذي عبّرت فيه عن طموح حزب الأصالة والمعاصرة في تصدر الانتخابات المقبلة، فهو ليس سُبّة ولا معيبة في حقها إذ يدخل في صميم العمل السياسي التنافسي، حيث لا يُعقل أن يخوض حزب استحقاقاً انتخابياً دون أن يعلن رغبته في الفوز وقيادة الحكومة، فالطموح ليس عيباً، بل شرط من شروط الحياة السياسة الجادة، والوضوح مع المواطنين هو أول أشكال الاحترام.
وفي هذا الإطار، يُحسب لأحمد التويزي لغته الصريحة وغير الملتبسة، فالرجل لم يناور، ولم يختبئ خلف عبارات رمادية، بل عبّر عن قناعة سياسية كاملة، نابعة من موقعه القيادي ومن اطلاعه على دينامية حزبه، ولا يمكن اعتبار الجرأة في السياسة تجاوزاً، بل فضيلة حين تقترن بالمسؤولية، والتويزي نموذج للسياسي الذي يقول ما يعتقده، ويتحمل تبعات قوله.
الحديث عن “تنصيب” رئيسة حكومة قبل أوانها يتجاهل حقيقة دستورية أساسية: التصريحات السياسية لا تُنشئ مؤسسات ولا تُعيّن حكومات. التعيين يظل اختصاصاً دستورياً لجلالة الملك، بناءً على نتائج الاقتراع، وهو أمر لا يمكن أن ينازع فيه حزب الأصالة والمعاصرة أو تغفل عنه قياداته، فما تم التصريح به يدخل في إطار التعبير عن طموح مشروع، وليس قفزاً على الدستور أو المؤسسات.
ثم إن الثقة في فاطمة الزهراء المنصوري لا تنبع فقط من موقعها الحزبي، بل من صورتها لدى شريحة واسعة من الرأي العام، كسياسية هادئة، غير صدامية، قادرة على بناء التوافقات، واحتواء الخلافات، وهو ما يحتاجه المغرب في مرحلة تتطلب الاستقرار والنجاعة في آن واحد.
أما التشكيك في المسار الانتخابي أو الإيحاء بأن النتائج “تُدار خارج الصناديق”، فهو نقاش أوسع من تصريح أو حزب، ولا يجوز تحميله لتعبير سياسي واضح، ومعالجة العزوف وفقدان الثقة لا تكون بتكميم الخطاب الطموح، بل بتشجيع الأحزاب على تقديم قيادات وبرامج مقنعة، وهو ما يحاول حزب الأصالة والمعاصرة القيام به على مدار مساره النضالي.
ففي الأنظمة الديمقراطية، لا تُعتبر التصريحات الاستباقية أو محاولات التموضع خرقاً للقواعد، ما دامت لا تمس بنزاهة الاقتراع ولا تدّعي امتلاك نتائج رسمية، وهذا التموقع لا يُبنى فقط يوم الاقتراع، كما تم اختزاله من لدن كثيرين، بل قبل ذلك بسنوات: عبر الخطاب، والتحالفات، واختيار القيادات، واحتلال مواقع داخل المؤسسات المنتخبة وهو العمل الذي لم يتوانى حزب الأصالة والمعاصرة عن القيام به بداية بتجديد دمائه التنظيمية، وحركيته داخل المشهد السياسي بقيادة جماعية مؤثرة بتمثيلية نسوية وشبابية.
لذلك، فإن إعلان الحزب طموحه في قيادة الحكومة، أو تقديم شخصية فاطمة الزهراء المنصوري كرئيسة محتملة للحكومة، يدخل ضمن منطق المنافسة الديمقراطية، التي تقتضي التحلي بروح المبادرة والمسؤولية، وللحزب، من هذا المنطلق، الإعلان عن استعداده لتحمل مسؤولية قيادة الحكومة، كما من حقه، ولا مراء، في أن يسمي من يشاء والذي يراه الأجدر لتحمل هذه المسؤولية.
وعلى هذا فإن حزب الأصالة والمعاصرة، اليوم وعبر الدورة الأخير لمجلسه الوطني، يختار -تلميحاً وتصريحاً- أن يدخل مرحلة جديدة تتسم بالانتقال من منطق الطموح السياسي إلى منطق القدرة الفعلية على تحمل مسؤولية قيادة الحكومة، بناءً على شروط الواقعية السياسية سواء على المستوى التنظيمي، أو وضوح الرؤية، أو التجربة التدبيرية، والتموقع داخل الخريطة الحزبية والمؤسساتية.
ويبقى الفيصل، في نهاية المطاف، هو المواطن المغربي، وصندوق الاقتراع، في إطار دستور ومؤسسات يعرف الجميع حدودها واختصاصاتها.