
حين يُهدد المركز… تدخلات ترامب تُربك الدولار وتزعزع ثقة الأسواق
تشهد الأسواق المالية الأميركية اضطراباً متزايداً في ظل تدخلات مباشرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب في مفاصل حساسة من المنظومة الاقتصادية، ما يثير مخاوف من تقويض استقلالية المؤسسات المالية والنقدية في البلاد، ويضغط بشدة على الدولار والأصول الأميركية.
ففي خطوة مفاجئة، استقالت عضوة مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي أدريانا كوغلر يوم الجمعة الماضي، مما يمنح ترامب فرصة لتعيين بديل في توقيت حساس للسياسة النقدية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مستقبل رئيس الفدرالي جيروم باول الذي تنتهي ولايته في مايو المقبل. هذه التطورات تُنبئ بتحول محتمل في ميزان القوى داخل البنك المركزي، وتعزز من مخاوف هيمنة البيت الأبيض على المؤسسة التي طالما عُرفت باستقلاليتها.
وزاد التوتر أيضاً عقب قرار ترامب بإقالة إريكا ماكنتارفر، رئيسة مكتب إحصاءات العمل، في خطوة رأى فيها المستثمرون والمؤسسات البحثية تهديداً مباشراً لنزاهة البيانات الاقتصادية الرسمية، وهو ما قد يؤثر على قدرة الأسواق على التنبؤ الدقيق بالاتجاهات الاقتصادية، ويعمّق حالة انعدام الثقة.
وقال روبرت بيرغكفيست، كبير الاقتصاديين في بنك SEB السويدي: “نشهد محاولات حقيقية لتركيز السلطات الاقتصادية في يد الرئاسة، وهذا ما يبرر ارتفاع علاوة المخاطر على الأصول الأميركية”، مشيراً إلى أن قرارات ترامب الأخيرة تُضعف استقلالية البنك المركزي وتُقلق المستثمرين حول العالم.
الدولار يتراجع وسط ضبابية السياسة
ورغم بعض التحسن في بداية الأسبوع الماضي، إلا أن الدولار شهد هبوطاً حاداً يوم الجمعة بعد صدور تقرير وظائف مخيب للآمال، ما دفع الأسواق إلى ترجيح خفض محتمل في أسعار الفائدة في سبتمبر. ووفقاً لبيانات منصة “بلومبيرغ”، فقد تراجع مؤشر قوة الدولار بنحو 8% منذ بداية العام.
إلياس حداد، استراتيجي بنك “براون براذرز هاريمان”، أكد أن مصداقية السياسة النقدية الأميركية تتآكل، وأضاف: “ضغوط ترامب المتواصلة على جيروم باول تُقوض استقلالية الفدرالي، وإقالة ماكنتارفر تُضعف ثقة السوق في دقة البيانات الرسمية”.
هل نشهد ظهور “رئيس ظل” للفدرالي؟
وبحسب محللين لدى “بلومبيرغ”، فإن استقالة كوغلر قد تعجّل بتعيين خليفة ذي ميول تيسيرية، مما يفتح الباب أمام سيناريو “رئيس الظل” — أي أن تبدأ الأسواق بالتفاعل مع توجهات مرشح ترامب المحتمل بدلًا من الاستماع إلى باول، باعتبار أن من سيخلفه أصبح معروفاً ضمنياً.
المحلل مارك كودمور كتب في تحليل داخلي: “لا يوجد تفسير إيجابي لإقالة رئيسة مكتب الإحصاءات. إما أن تكون البيانات مشوهة من قبل كما يدعي ترامب، أو أنها كانت موثوقة وأصبحت الآن عرضة للتسييس. في كلتا الحالتين، أصبحت البيانات المستقبلية محاطة بعلامات استفهام”.
من يقود الفدرالي المقبل؟
من بين الأسماء المطروحة بقوة لخلافة كوغلر وربما لاحقاً باول، يأتي كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني سابقاً، كأحد أكثر المرشحين إثارة للجدل بسبب قربه الشديد من ترامب. أما وزير الخزانة الحالي سكوت بيسنت فيُعد مرشحاً محتملاً كذلك، رغم أن علاقاته الوثيقة مع الرئيس قد لا تطمئن الأسواق.
على الطرف الآخر، هناك أسماء مثل كيفن وورش، وكريستوفر والر، وميشيل بومان، قد تلقى قبولاً أكبر لدى الأسواق بفضل خبرتهم ومكانتهم داخل النظام الفدرالي.
تداعيات على تمويل العجز الأميركي
وأشار تقرير من بنك “دويتشه” بقيادة جيم ريد إلى أن التغييرات المتلاحقة في مؤسسات اقتصادية محورية قد تُعقد جهود تمويل العجزين التوأمين في الميزانية والحساب الجاري، محذراً من أن أي تباطؤ في الطلب على السندات الأميركية قد يؤدي إلى نتائج سلبية طويلة الأمد ما لم يترافق مع تباطؤ اقتصادي كبير يُعيد التوازن.
وفي انتظار إعلان ترامب عن مرشحيه خلال الأيام المقبلة، تترقب الأسواق لحظة مفصلية قد تعيد رسم العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسات النقدية، وسط تساؤلات متزايدة: هل يفقد المركز استقلاله؟ وهل بدأ الدولار فعلاً في دفع ثمن السياسة؟