
نظام “دارت” الاقتصادي في المغرب: نموذج تقليدي متجدد للتضامن والادخار الجماعي
في المغرب، يُعتبر نظام “دارت” أحد أبرز أشكال التضامن والتعاون الاقتصادي بين المواطنين، وخاصة في أوقات الأزمات المالية أو خلال المناسبات الموسمية والطارئة. ويعتمد هذا النظام التقليدي على تجمع مجموعة من الأشخاص يلتزمون بالمساهمة بمبالغ مالية محددة بشكل دوري، سواء كان ذلك أسبوعياً أو شهرياً، وتُجمع هذه الأموال في صندوق مشترك يُتاح لجميع الأعضاء الاستفادة منه تباعاً حسب ترتيب متفق عليه.
تلجأ ملايين الأسر المغربية إلى نظام “دارت” لتلبية احتياجات متنوعة مثل العودة إلى المدارس، والاستعداد لشهر رمضان والأعياد الدينية، أو لتمويل شراء سيارة، أو حتى تنظيم حفلات الزفاف والعقيقة. وتُبنى هذه الممارسة على أساس الثقة المتبادلة والالتزام الشخصي بين أعضاء المجموعة، ما يجعلها أكثر مرونة وأقل تعقيداً من اللجوء إلى القروض البنكية.
ويرى كثير من المشاركين في هذا النظام أنه الحل الأمثل لتفادي الاقتراض من البنوك التي تفرض فوائد مرتفعة قد تصل أحياناً إلى 5%، وهو ما يجعل من “دارت” وسيلة ادخار فعالة وتخفيفاً للأعباء المالية. في هذا السياق، تقول عفاف، موظفة تشارك بانتظام مع زملائها في “دارت”، إن هذا النظام يساعدها على تجنب الاستدانة من البنوك التي تتسم بالجشع في الفوائد. أما يوسف، موظف في القطاع الحكومي، فقد لجأ إلى “دارت” لتمويل شراء سيارته بعدما رفض البنك منح قرض له بسبب راتبه المحدود، رغم تخوفه الأولي من احتمال حدوث مشاكل مثل عدم التزام بعض الأعضاء بالدفع.
وأكد تقرير لبنك المغرب، نقلاً عن الباحثة مريم ظهير، أن حوالي 88% من المغاربة يشاركون في نظام “دارت”، وتُقدر قيمة الأموال المتداولة عبر هذا النظام بحوالي 40 مليار درهم سنوياً، أي ما يعادل 28% من إجمالي الودائع البنكية في البلاد. ومع ذلك، يرى والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، أن هذه الممارسة قد تعيق عملية الإدماج المالي للمواطنين في المؤسسات البنكية الرسمية.
من ناحية أخرى، بدأ نظام “دارت” في التطور مع ظهور التكنولوجيا الرقمية، إذ تحولت هذه الممارسة التقليدية التي كانت تعتمد على النقد والدفاتر اليدوية إلى شكل أكثر حداثة، عبر استخدام تطبيقات الهواتف الذكية ومجموعات التواصل مثل واتساب، حيث يتم تحويل المبالغ المالية مباشرة إلى حسابات الأعضاء. هذا التغيير يُسهم في تعزيز الشفافية ويسهل متابعة الأموال ويقلل من مخاطر التلاعب أو التأخير.
وفي هذا الإطار، أعلن المهندس المغربي نبيل شكير عن تطوير تطبيق ذكي يُمكّن المستخدمين من إنشاء مجموعات ادخار، ودعوة الآخرين للانضمام، مع نظام إشعارات دوري يُنبه الأعضاء بمواعيد الدفع، ما يضمن انتظام العملية ويحدّ من نسيان أو تأخير المساهمات. كما يتيح التطبيق توثيق العمليات إلكترونياً، ومتابعة كل عضو لحالته المالية بشكل آمن مع الحفاظ على الخصوصية.
في المجمل، يمثل نظام “دارت” نموذجاً اقتصادياً تقليدياً متجدد يجمع بين قيم التضامن الاجتماعي والترابط بين المغاربة، وبين استخدام التكنولوجيا الحديثة لتسهيل المعاملات وتعزيز الثقة، ليبقى خياراً مفضلاً لكثير من الأسر في مواجهة تحديات التمويل الشخصي والتوفير