قبضة البيت الأبيض على الجامعات: كولومبيا أولى الضحايا وهارفرد تقاوم

0

 

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط الأكاديمية والحقوقية، أنهت جامعة كولومبيا تسوية مالية مع الحكومة الأمريكية بلغت 221 مليون دولار، في إطار ضغوط متصاعدة تمارسها إدارة الرئيس دونالد ترامب على الجامعات الأمريكية. هذه التسوية، التي وُصفت بأنها “ابتزاز مقنّع”، تفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول مستقبل الاستقلال الأكاديمي في الولايات المتحدة.

يقول ديفيد بوزن، أستاذ القانون في جامعة كولومبيا، إن ما جرى ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من “هجوم استبدادي أوسع” يستهدف ليس فقط الجامعات، بل أيضاً وسائل الإعلام والمحامين ومؤسسات المجتمع المدني.

ترى إدارة ترامب في الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين التي شهدتها الجامعات الأمريكية مؤخراً تهديداً ينبغي ضبطه، وتتهم المؤسسات الأكاديمية بـ”التقاعس” عن التصدي لمعاداة السامية داخل الحرم الجامعي. هذه الاتهامات وُظفت لتبرير تجميد مئات ملايين الدولارات من المنح الفيدرالية، كما حدث مع كولومبيا، وهو ما دفع الأخيرة للقبول بتسوية مالية “لتجنب مزيد من التصعيد”.

لكن التسوية لم تُقابل بالرضى داخل المجتمع الأكاديمي. فقد ندد رئيس المجلس الأميركي للتعليم، تيد ميتشل، بالتسوية، معتبراً أنها تُعرض الجامعات لضغوط سياسية تهدد الحرية الأكاديمية.

ويذهب بوزن إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الاتفاق مع الحكومة كان “غير قانوني” منذ البداية، واصفاً إياه بأنه ابتزاز صريح بغطاء قانوني، حيث اضطرت الجامعة إلى دفع مبلغ ضخم مقابل الحفاظ على منحها الفيدرالية وحقوقها في قبول الطلاب الدوليين.

رغم تأكيد كولومبيا أنها لم تتساهل مع أي مظهر من مظاهر معاداة السامية، وأنها اتخذت تدابير لحماية طلابها وموظفيها، إلا أن الأكاديميين يرون في هذه التبريرات تراجعاً واضحاً أمام ضغوط سياسية غير مسبوقة.

على عكس كولومبيا، اختارت جامعة هارفرد اللجوء إلى القضاء لمواجهة قرارات الحكومة الفيدرالية، ورفعت دعوى تطعن فيها بالإجراءات العقابية المفروضة عليها. الصحافة الأمريكية، ومنها نيويورك تايمز، تحدثت عن مفاوضات لتسوية قد تصل إلى 500 مليون دولار، ما يشير إلى حجم الضغوط التي تُمارس على الجامعات.

ستيفن ليفيتسكي، أستاذ السياسات العامة بهارفرد، اعتبر أن ما حدث مع كولومبيا “سابقة كارثية”، محذراً من أن “من يمارس الابتزاز لا يكتفي بتنازل واحد، بل يستمر في فرض شروطه”.

وفقاً للباحث بريندان كانتويل من جامعة ولاية ميشيغان، فإن إدارة ترامب تتجاوز كل ما عرفته الولايات المتحدة سابقاً في علاقتها مع مؤسسات التعليم العالي، معتبرًا أن ما يجري “يشبه نظام تحكم جديد”، حيث تُستخدم التمويلات الفيدرالية كسلاح لإجبار الجامعات على الرضوخ.

وفي هذا السياق، أعلنت وزيرة التعليم ليندا مكماهون عن تسوية مع جامعة براون مقابل إعادة جزء من التمويل الفيدرالي، بشرط تغيير سياستها في مجال التنوع، بينما اضطرت جامعة بنسلفانيا إلى اتخاذ إجراءات ضد النساء المتحولات جنسياً في الرياضة الجامعية تحت ضغوط مماثلة.

بين جامعات ترضخ وأخرى تقاوم، يتزايد القلق من تأثير هذه السياسة على استقلال الجامعات الأميركية ودورها كمؤسسات فكرية حرة. الهجوم على الجامعات، بحسب كثير من الأكاديميين، ليس مجرد خلاف إداري، بل صراع على هوية التعليم العالي في بلد يفترض أنه يضمن حرية التعبير والبحث العلمي.

الأسابيع المقبلة قد تحمل جولات جديدة من هذه المواجهة، مع ترقّب لتسويات إضافية أو معارك قضائية قد تحدد شكل العلاقة بين الجامعات والإدارة الفيدرالية لعقود قادمة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.